21 نوفمبر, 2007

الذئـبُ المزيـَّف 1


وقف الشيخ سالم في المصلى ، وهو يكبر مقيما صلاة العشاء ، وانتظم المصلون صفوفا خلفه ، وراحوا يتلون أدعية وأورادا قبل أن يدخلوا في الصلاة . وإذا بصرخة حادة تشق سكون الليل ، وتلتها صرخة ثانية فثالثة ، وتتابعت الصيحات عالية في هذا السكون الشامل .

واستولى على المصلين ذهول لهذه المفاجأة ، ولكن سرعان ما انقلب إلى رغبة في مساعدة المستغيث ، فتركوا صلاتهم ، وأخذوا يثبون إلى الطريق ، وينطلقون مسرعين تجاه مصدر الصوت .

وكانت أصوات الاستغاثة لا تزال ترن من بُعد ، ولكنها أخذت تضعف ، حتى إذا وصل الرجال إلى مصدر الصوت كان كل شيء ساكن إلا من بكاء طفل رضيع وجدوه ملقى على الأرض يضرب في لفائفه ، ووجدوا قريبا منه كتلة سوداء ، لم تكن إلا جثة والدته باردة لا حياة فيها ، تسبح في بركة من دمائها .

وما كاد السابق منهم يصل إلى المكان حتى صاح الشيخ سالم :

- ها هو يجري ، أسرعوا خلفه .

فقال آخر : عم تتكلم ؟

فاستطرد وهو يجري : الذئب . الذئب .. ألا تروه ، إنه هناك عند مسقى درويش ، أسرعوا قبل أن يدخل الفول .

وهنا بز الرجال على ضوء القمر الذي ظهر من فرجة بين السحب كتلة سوداء صغيرة تظهر وتختفي – في قفزات واسعة سريعة متجة إلى حقل حسين درويش المنزرع فولا لملاحقته . فناداهم الشيخ سالم وقد نصب من نفسه رئيسا عليهم :

- لا بد أن يصل الفول قبل أن ندركه فالأفضل أن نقطع عليه الطريق .. مهلا .. دعوه يدخل الفول .. اذهب أنت يا فهمي و...

ولكن ما كان الفلاحون لينتظروا تلقي أوامره فلم يتم كلامه ، وراحوا هم يطاردون الوحش دون تدبر ، ووقف الشيخ سالم مغتاظا لعدم تنفيذ كلامه ، وما هو إلا قليل حتى أبصر شبح الذئب يظهر في حقل مكشوف ، وبعد ثوانٍ كان قد توارى ثانيا في القمح .

وآلم الشيخ سالم أن يظل هذا الوحش الضاري في مجاورة بلدتهم يهددهم في دواجنهم ، ومواشيهم ، بل وأرواحهم أيضا . وقطع عليه تفكيره صوت صفارة حادة عالية ترن في الفضاء فانتبه ودار على عقبيه ورجع المسافة القصيرة التي كان قد مشيها ، فوجد الخفير واقفا إلى جانب الجثة ، وفي فمه صفارته ينبه بها الناس إلى وقوع الحادث ، فقال له :

- لم كل هذا الضجيج يا هلال ؟ اذهب فبلغ النقطة ، ولا داعي لإقلاق الناس وجمعهم حول المسكينة . هل عرفت من هي ؟

- نعم إنها صباح .

- صباح ؟ زوجة عبد السلام سعد ! ، لا حول ولا قوة إلا بالله

- أرجوك يا شيخ سالم أن تبلغ العمدة ، لأني لا أستطيع مفارقة المكان حتى يحضر البوليس .

- إني ذاهب .. إني ذاهب .. رحمة الله عليك يا صباح

وهرول الشاب في طريقه إلى القرية ، وهو لا يفتأ يترحم على صباح أجمل فتيات القرية خلقا وخلقا .

* * *

وبُلغَت الحادثة ، ولكن الملاحظ كان قد خرج في دورية ليلية ، وجاء أمر بحراسة الجثة حتى الصباح لحين حضور الملاحظ .

* * *

وقف ملا حظ بوليس نقطة ( ..... ) أمام القتيلة يتأمل المواقع التي نهشها الذئب فتركها جروحا عميقة واسعة ممزقة الجوانب في غير نظام ، وكانت أنيابه الحادة ظاهرة الأثر في كثير من المواضع .. في العنق عدة قضمات على جانبي الرقبة وفوقها .. وهناك أثر مخلب على الصدغ الأيمن .. وثمت جرح آخر في أسفل الصدر وأعلى البطن وقد مزقت عنه الثياب .. وبُقرت البطن فبرزت الأحشاء في شكل بشع مؤلم ، وقد تقطعت في مواضع عدة بسبب الأظافر التي كانت تعمل فيها بلا شفقة ولا هوادة .

ولم يكن هناك حاجة لكثير بحث أو تدقيق ، فالجناية ثابتة ضد الوحش ، وكل الشواهد تدل على عدم وجود أي تدخل من بني الإنسان في الحادثة .

فتح الملاحظ المحضر وأثبت فيه وصف الحادث . وأخذ يسمع أقوال الشهود مبتدأ بالشيخ سالم . وهو شاب في السابعة والعشرين ومن خريجي مدارس التعليم الأولي . فسأله بعد الاستفهامات الابتدائية .

- هل كنت أول من سمع الاستغاثة يا شيخ سالم ؟

- أنا وكثيرون غيري كانوا معي نستعد لصلاة العشاء في المصلى .

- ومن كان أسبقكم إلى هذا المكان ؟

- فهمي إسماعيل . وكننا كنا جميعا في أثره متتابعين لضيق الطريق .

- إذا فهو الذي رأى الذئب أولا .

- بل أنا ياسيدي .

- يقول الخفير بأنك لم تكن مع الذين طاردوا الوحش . فلماذا ؟

- لأنني كنت أريد أن تكون المطاردة أكثر نظاما مما كانت ، خصوصا وأننا كنا غير مسلحين ، ولكن أحدا لم يسمع لقولي .

- ومتى عرفت شخصية القتيلة ؟

- أخبرني بها الخفير ، ورجاني أن أذهب لإبلاغ الخبر للنقطة .

- كفى . أين فهمي إسماعيل ؟

- فتقدم إليه رجل جاوز الأربعين قائلا : نعم يا بيك

- هل كنت أول من وصل إلى هنا ؟

- أي نعم يا بيك .

- وكيف لم تر الذئب أولا ؟

- لقد رأيته ولكنني شككت في كونه ذئبا .

- عجبا ! وهل يعجز مثلك عن معرفة الذئب ؟

- لا يا بيك . ولكني أعلم أن الذئب لا يسلم في فريسته بهذه السهولة ، إنني يا حضرة البيك لم أسمع منه حتى أي صوت يدل على التذمر مع أن المسافة التي كانت بيننا لم تكن تزيد على خمسة أقصاب أو ستة .

وطلب المحقق الخفير النظامي فحضر مسرعا ، ووقف أمام رئيسه منتصب القامة ، وأدى التحية العسكرية قائلا : أفندم .

- كيف عرفت بالحادث ؟

فانطلق الخفير يقول في صوت متزن النبرات ، غير متوقف أو متردد ، كأنما قد حضر إجابته منذ مدة وحفظها .

- سمعت الاستغاثة فحضرت مسرعا ، فلما رأيت القتيلة صفرت مرارا لأنبه الناس ، ولما حضر الشيخ سالم كلفته بتبليغ الحادث للعمدة ، وظللت واقفا هنا هنا حتى حضر حضرة العمدة ، وكلفني بحراسة الجثة لحين حضور حضرتكم يا أفندم .

فابتسم الضابط قليلا لهذه المحاضرة القصيرة ، ثم سمع شهادات أخرى ممن حضروا مع الشيخ سالم ، ولكنها لم تضف معلومات جديدة حتى جاء دور الزوج ، فقرر أن زوجته كانت ذاهبة إلى أهلها في عزبة على بعد كيلو متر ونصف من مكان الحادث ، وقال إنها خرجت بدون علمه لشجار حدث بينهما عند عودته من الحقل ، فلما عاد بعد صلاة العشاء لم يجدها في البيت ، وما كاد يخرج للسؤال عنها حتى فوجئ بالخبر المريع ، وتحشرجت الكلمات في حلق الرجل من شدة الانفعال ، فسكت وانحنى إلى الأرض قليلا ليخفي دمعة أبت إلا أن تتدحرج على خده ، ثم اعتدل وقد احمر وجهه قليلا كأنما أخجله أن يُرى باكيا ، واستطرد يقول

- إنها هي المذنبة لقد خرجت بدون علمي يا سيدي ، وهي لا تجهل الأخطار الكثيرة التي تعترض السائر ليلا من لصوص ووحوش وعفاريت ، ومع ذلك لم ترحم نفسها ، ولا ولدها ، بل حتى صيغتها أخذتها معها ...
وهنا قاطعه المحقق

- صيغة ؟ هل كان معها مصوغات ؟

- نعم يا سيدي . حلق وكردان وقصبة برقع كلها من الذهب .

- ولكنها وجدت بدون شيء معها .

- ولهذا أتقدم بالشكوى للبحث عن هذه المصوغات إن قيمتها لا تقل عن خمسة عشر جنيها يا سيدي .

- هل تتهم أحد بأخذها ؟ إن الذئب لا يمكن أن يفعل ذلك .

- لا يمكنني أن أتهم أحدا على وجه التخصيص . ولكني أشك في كل من رأى الجثة قبلي

وهنا اندفع رجل من الواقفين يقول بحده ظاهرة

- بل أنت الذي أخذتها يا عبد السلام . إنه أنت

فالتفت إليه الضابط في غضب قائلا :

- من أنت ؟

- أنا فوزي محمد أخو القتيلة . إنه ه ياحضرة البيك الذي سرق حلى أختي ، وهو الذي قتلها أيضا ، لأنه هو الذي أغضبها ، ودفعها إلى الخروج مع علمه بوجود هذا الوحش فضلا عن اللصوص من بني الإنسان ، فلما علم بموتها أخفى الحلي ، ثم جاء هنا يلقي التهمة على غيره .

- هل تظن إذن أن الحلى لم تكن مع أختك عند خروجها ؟

- أبدا . بل لقد أخبرتني منذ مدة كبيرة أنه حجزها عنها ، حتى لا تأخذها معها إذا غضبت .

فقال عبد السلام في نبرة دفاعية

- لا تصدقه يا حضرة البيك فهو كاذب ، ولم يحصل شيء من ذلك ، ولكن ما دام هو الذي بدأ بذلك فلن أخفي عنك شيئا ، إنه مغتاظ مني منذ تزوجت أخته بدون رضاه ، وقد حرض زوجتي مرارا على أن تغضب مني ليطلقها ، ولكنها لم تطعه ، وطلب منها أكثر من مرة حليها ليدفع بثمنها دينا عليه فأبت ، لقد حضر قبلي يا بيك ، وأنا أتهمه هو بالسرقة .

وسكنت حدة الحوار للحظات عندما بدا طبيب المركز يحث الخطى عن قرب حتى وقف على الجثة وأخذ يفحصها بعد أن ألقى التحية على الجمع ، والضابط يرقب عن كثب . وإذا بالشيخ سالم يقترب منه ويطلب بصوت خافت أن يحادثه على انفراد . فدهش الضابط لذلك ، ولكنه سار معه حتى خرج من وسط الجمع المحتشد ثم التفت إليه مستفهما فقال الشيخ :

- لا مؤاخذة يا حضرة الضابط ، ولكن هل رأيت التمزيق الذي أحدثه الذئب في ثياب القتيلة
- طبعا . وقد رأيته أنت أيضا ، فهل لك ملاحظات عليه .
- إن الثوب الخارجي به شق واحد ، وأنا أستغرب حدوثه

فابتسم الضابط قليلا وقال :

أكنت تريد أن يكون ثلاثة شقوق ، أو جزء منفصل من الثوب بعرض المخاب كله ؟ ، ولكن الم تلاحظ أن الثوب مشقوق من أعلى الصدر ، ومعنى ذلك أن الوحش عندما هاجمها تراجعت بالطبع ، فلم يعلق بالثوب إلا ظفر واحد من مخلب الحيوان .

- إن الثوب جديد يا سيدي فلو كان هذا صحيحا لكان التمزيق على شكل زاوية قائمة رأسها عند موضع الظفر ، كما يحدث عندما يعلق مسمار بالثياب ، فنظر إليه الضابط ، وقد أدهشه أن تصدر مثل هذه النظريات من رجل مثله وقال
- ما رأيك إذن ؟
- لا أحب أن أصرح برأي ختى نسمع تقرير الطبيب


مخطوط قصة ( الذئب المزيف ) لـ / أحمد الشراقي - رحمه الله -

17 نوفمبر, 2007

الانتظــار الخالـــد



أنا بانتظارك ما أبالــــــــي رضى الهوى حكم الجمــــال

غيبـي إذا أو فاحضـــــري أنا قانــع فــــي كل حــــــــال

لسـت الملومــــــة إننـــــي أنا رشــــت أجنحـــــة الدلال

ما للجمـــــــال إذا بـــــــدا إلا التخشــــع في ابتهــــــــال

أنا بانتظـارك في الشـــرو ق وفي الغروب وفي الــزوال

أنا بانتظــارك حيـــن أصـ ــحو طلعـــة مثــــل اللآلــــي

أنا بانتظـارك حين أغــــــ ـــفو طائفــــــا مثل الخيـــــال

وإذا قربــــــت تطلــــعــت نفســــي إلى القرب الموالـــي

وإلى التمــــازج بيننـــــــا حتى نحــــور إلى كمـــــــــال

هو ذاك ســر تنظـــــــــري أبدا إليــــك ، فما احتيالــــــــي

من ديوان الشاطيء المجهول لسيد قطب

13 نوفمبر, 2007

خطر الوحدة الإسلامية






من النصوص الاستعمارية التي نشرت مؤخرا ما ورد في تقرير وزير المستعمرات البريطانية ( أورمس غو ) لرئيس حكومته في 9/1/1938 يقول فيه :

" إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطورية أن تحذره وتحاربه ، وليست إنجلترا وحدها هي التي تلتزم بذلك ، بل فرنسا أيضا .

إن من دواعي فرحنا أن الخلافة الإسلامية زالت .. لقد ذهبت ، ونتمنى أن يكون ذلك بغير رجعة .

ن سياستنا تهدف دائما وأبدا ، إلى منع الوحدة الإسلامية ، أو التضامن الإسلامي ، ويجب أن تبقى هذه السياسة كذلك .

إننا في السودان ونيجيريا ، ومصر ودول إسلامية أخرى ، شجعنا - وكنا على صواب - نمو القوميات المحلية ، فهي أقل خطرا من الإسلامية ، أو التضامن الإسلامي .

إن سياستنا الموالية للعرب في الحرب العالمية الأولى ، لم تكن نتيجة متطلبات " تكتيكية " ضد القوات التركية ، بل كانت مخططة لغرض أهم ، وهو إبعاد سيطرة الخلافة على المدينتين المقدستين مكة والمدينة ، فإن العثمانيون كانوا يمدون سلطانهم إليها لمعان مهمة .

ومن أسباب سعادتنا أن كمال أتاتورك لم يضع تركيا في مسار قومي علماني فقط بل أدخل إصطلاحات بعيدة الأثر ، من شأنها نقض المعالم الإسلامية لتركيا .. "

من كتاب هموم داعية للإمام محمد الغزالي - رحمه الله -

05 نوفمبر, 2007

أُحِبُّك


أحبك كالآمال إذ أنت مثلها
تذكين في نفسي أعز مواهبي
وماهي إلا نظرة شاعرية
تعبر عما شئته من رغائب
فتسري إلى نفسي مضاء وجرأة
ووثبة حساس وعزمة راغب
وروحا زكى النفح يسري كأنه
نشيد ملاك هائم متقارب
يعيد إلى المكدود راحة نفسه
ويبعثه خلقا جديد المطالب
أحبك من قلبي الذي أنت ملؤه
ومن كل إحساس بنفسي ذائب
فؤادي الذي فتحت فيه مشاعرا
من الحب والإحساس شتى المذاهب
سموت به حتى تكشف دونه
عوالم أخرى تائهات الجوانب
عوالم لا تبدو لقلب منقب
بلا ذلك القلب الرفيق المصاحب
بها كل لذات الحياة ، ودونها
لذائذ أخرى كاذبات العواقب
أحبك إذ ترجعين مني رعاية
وتهوين ساعات الحياة بجانبي
هنالك نسمو بالحياة فنرتقي
إلى كنف بين السماوات ضارب
هنالك نحيا والأماني حولنا
تغرد ألحان المنى والرغائب
قصيدة من ديوان الشاطيء المجهول للشهيد سيد قطب