
وقف الشيخ سالم في المصلى ، وهو يكبِّر مقيما صلاة العشاء ، وانتظم المصلون صفوفا خلفه ، وراحوا يتلون أدعيةً وأورادا قبل أن يدخلوا فى الصلاة ، وإذا بصرخة حادة تشق سكون الليل ، وتلتها صرخة ثانية فثالثة ، وتتابعت الصيحات عالية ترن في هذا السكون الشامل .
واستولى على المصلين شبه ذهول لهذه المفاجأة ، ولكنه سرعان ما انقلب إلى رغبة في مساعدة المستغيث ، فتركوا صلاتهم ، وأخذوا يثبون إلى الطريق ، وينطلقون مسرعين تجاه مصدر الصوت .
وكانت أصوات الاستغاثة لا تزال ترن من بُعد ، ولكنها أخذت تضعف ، حتى إذا وصل الرجال إلى مصدر الصوت كان كل شيء ساكن إلا من بكاء طفل رضيع وجدوه ملقى على الأرض يضرب فى لفائِفه ، ووجدوا قريبا منه كتلة سوداء ، لم تكن إلا جثة والدته باردة لا حياة فيها ، تسبح في بركة من دمائها . *
وما كاد السابق منهم يصل إلى المكان حتى صاح الشيخ سالم :
- ها هو يجري ، أسرعوا خلفه .
- فقال آخر : عمََّ تتكلم ؟
فاستطرد وهو يجري : الذئب .. الذئب .. ألا تروه ، إنه هناك عند مسقى درويش ، أسرعوا قبل أن يدخل الفول .
وهنا بزَّ الرجال على ضوء القمر الذي ظهر من فرجة بين السحب كتلة سوداء صغيرة تظهر وتختفي ، في قفزات واسعة سريعة متجة إلى حقل حسين درويش المنزرع فولا لملاحقته ، فناداهم الشيخ سالم وقد نصب من نفسه رئيسا عليهم :
- لا بد أن يصل الفول قبل أن ندركه فالأفضل أن نقطع عليه الطريق .. مهلا .. دعوه يدخل الفول .. اذهب أنت يا فهمي و...
ولكن ما كان الفلاحون لينتظروا تلقِّى أوامره فلم يتم كلامه ، وراحوا هم يطاردون الوحش دون تدبر ، ووقف الشيخ سالم مغتاظا * لعدم تنفيذ كلامه ، وما هو إلا قليل حتى أبصر شبح الذئب يظهر في حقل مكشوف ، وبعد ثوانٍ كان قد توارى ثانيا فى القمح .
وآلم الشيخ سالم أن يظل هذا الوحش الضارى في مجاوَرَة بلدتهم يهددهم في دواجنهم ، ومواشيهم ، بل وأرواحهم أيضا . وقطع عليه تفكيره صوت صفارة حادة عالية ترن في الفضاء فانتبه ودار على عقبيه ورجع المسافة القصيرة التي كان قد مشيها ، فوجد الخفير واقفا إلى جانب الجثة ، وفي فمه صفارته ينبه بها الناس إلى وقوع الحادث ، فقال له :
- لم كل هذا الضجيج يا هلال ؟ اذهب فبلغ النقطة ، ولا داعي لإقلاق الناس وجمعهم حول المسكينة . هل عرفت من هي ؟
- نعم إنها صباح .
- صباح ؟ زوجة عبد السلام سعد ! ، لا حول ولا قوة إلا بالله .
- أرجوك يا شيخ سالم أن تبلغ العمدة ، لأني لا أستطيع مفارقة المكان حتى يحضر البوليس . *
- إنى ذاهب .. إنى ذاهب .. رحمة الله عليك يا صباح
وهرول الشاب في طريقه إلى القرية ، وهو لا يفتأ يترحم على صباح أجمل فتيات القرية خَـلقا وخـُلقا .
* * *
وبُلغَت الحادثة ، ولكن الملاحظ كان قد خرج في دورية ليلية ، وجاء أمر بحراسة الجثة حتى الصباح لحين حضور الملاحظ .
وقف ملاحظ بوليس نقطة ( ..... ) أمام القتيلة يتأمل المواقع التي نهشها الذئب فتركها جروحا عميقة واسعة ممزقة الجوانب في غير نظام ، وكانت أنيابه الحادة ظاهرة الأثر في كثير من المواضع ، ففى العنق عدة قضمات على جانبى القصبة الهوائية وفوقها ، وهناك أثر مخلب على الصدغ الأيمن .. وثمت جرح آخر في أسفل الصدر وأعلى البطن وقد مُزقت عنه الثياب ، وبُقرت البطن فبرزت الأحشاء فى شكل بشع مؤلم ، وقد تقطعت فى مواضع عدة بسبب الأظافر التي كانت تعمل فيها بلا شفقة ولا هوادة . *
ولم يكن هناك حاجة لكثير بحث أو تدقيق ، فالجناية ثابتة ضد الوحش ، وكل الشواهد تدل على عدم وجود أي تدخل من بنى الإنسان فى الحادثة .
فتح الملاحظ المحضر وأثبت فيه وصف الحادث ، وأخذ يسمع أقوال الشهود مبتدأ بالشيخ سالم . وهو شاب في السابعة والعشرين ومن خريجى مدارس التعليم الأولى . فسأله بعد الاستفهامات الابتدائية .
- هل كنت أول من سمع الاستغاثة يا شيخ سالم ؟
- أنا وكثيرون غيرى كانوا معى نستعد لصلاة العشاء في المصلى .
- ومن كان أسبقكم إلى هذا المكان ؟
- فهمي إسماعيل ، ولكننا كنا جميعا في أثره متتابعين لضيق الطريق .
- إذا فهو الذي رأى الذئب أولا .
- بل أنا ياسيدى .
- يقول الخفير بأنك لم تكن مع الذين طاردوا الوحش . فلماذا ؟
- لأنني كنت أريد أن تكون المطاردة أكثر نظاما مما كانت ، خصوصا وأننا كنا غير مسلحين ، ولكن أحدا لم يسمع لقولى . *
- ومتى عرفت شخصية القتيلة ؟
- أخبرني بها الخفير ، ورجانى أن أذهب لإبلاغ الخبر للنقطة .
- كفى . أين فهمي إسماعيل ؟
- فتقدم إليه رجل جاوز الأربعين قائلا : نعم يا بيك .
- هل كنت أول من وصل إلى هنا ؟
- أى نعم يا بيك .
- وكيف لم تر الذئب أولا ؟
- لقد رأيته ولكنني شككت في كونه ذئبا .
- عجبا ! وهل يعجز مثلك عن معرفة الذئب ؟
- لا يا بيك . ولكنى أعلم أن الذئب لا يسلم في فريسته بهذه السهولة ، إنني يا حضرة البيك لم أسمع منه حتى أي صوت يدل على التذمر مع أن المسافة التي كانت بيننا لم تكن تزيد على /خمس/ خمسة أقصاب أو ستة .
وطلب المحقق الخفير النظامي فحضر مسرعا ، ووقف أمام رئيسه منتصب القامة ، وأدى التحية العسكرية قائلا : أفندم . *
- كيف عرفت بالحادث ؟
فانطلق الخفير يقول في صوت متزن النبرات ، غير متوقف أو متردد ، كأنما قد حضر إجابته منذ مدة وحفظها :
- سمعت الاستغاثة فحضرت مسرعا ، فلما رأيت القتيلة صفر/ ر/ت مرارا لأنبه الناس ، ولما حضر الشيخ سالم كلفته بتبليغ الحادث للعمدة ، وظللت واقفا هنا هنا حتى /حضرة/ حضر حضرة العمدة ، وكلفنى بحراسة الجثة لحين حضور حضرتكم يا أفندم .
فابتسم الضابط قليلا لهذه المحاضرة القصيرة ، ثم سمع شهادات أخرى ممن حضروا مع الشيخ سالم ، ولكنها لم تضف معلومات جديدة حتى جاء دور الزوج ، فقرر أن زوجته كانت ذاهبة إلى أهلها في عزبة على بعد كيلو متر ونصف من مكان الحادث ، وقال إنها خرجت بدون علمه لشجار حدث بينهما عند عودته من الحقل ، فلما عاد بعد صلاة العشاء لم يجدها في البيت ، وما كاد يخرج للسؤال عنها حتى فوجئ بالخبر المريع ، وتحشرجت الكلمات في حلق الرجل * من شدة الانفعال ، فسكت وانحنى إلى الأرض قليلا ليخفي دمعة أبت إلا أن تتدحرج على خده ، ثم اعتدل وقد احمر وجهه قليلا كأنما أخجله أن يُرى باكيا ، واستطرد يقول :
- إنها هى المذنبة لقد خرجت بدون علمي يا سيدي ، وهي لا تجهل الأخطار الكثيرة التي تعترض السائر ليلا من لصوص ووحوش وعفاريت ، ومع ذلك لم ترحم نفسها ، ولا ولدها ، بل حتى صيغتها أخذتها معها ...
وهنا قاطعه المحقق
- صيغة ؟ هل كان معها مصوغات ؟
- نعم يا سيدي . حلق وكردان وقصبة برقع كلها من الذهب .
- ولكنها وجدت بدون شيء معها .
- ولهذا أتقدم بالشكوى للبحث عن هذه المصوغات إن قيمتها لا تقل عن خمسة عشر جنيها يا سيدي .
- هل تتهم أحدا بأخذها ؟ إن الذئب لا يمكن أن يفعل ذلك .
- لا يمكننى أن أتهم أحدا على وجه التخصيص . ولكني أشك في كل من رأى الجثة قبلى .
وهنا اندفع رجل من الواقفين يقول بحده ظاهرة :
- بل أنت الذى أخذتها يا عبد السلام .. إنه أنت .
فالتفت إليه الضابط في غضب قائلا :
- من أنت ؟
- أنا فوزي محمد أخو القتيلة . إنه هو ياحضرة البيك الذي سرق حلى أختي ، وهو الذي قتلها أيضا ، لأنه هو الذي أغضبها ، ودفعها إلى الخروج مع علمه بوجود هذا الوحش فضلا عن اللصوص من بني الإنسان ، فلما علم بموتها أخفى الحلى ، ثم جاء هنا يلقي التهمة على غيره .
- هل تظن إذن أن الحلى لم تكن مع أختك عند خروجها ؟
- أبدا . بل لقد أخبرتنى منذ مدة كبيرة أنه حجزها عنها ، حتى لا تأخذها معها إذا غضبت .
فقال عبد السلام سعد : *
- لا تصدقه يا حضرة البيك فهو كاذب ، ولم يحصل شيء من ذلك ، ولكن ما دام هو الذي بدأ بذلك فلن أخفى أنا عنك شيئا ، إنه مغتاظ منى منذ تزوجت أخته بدون رضاه ، وقد حرض زوجتى مرارا على أن تغضب مني ليطلقها ، ولكنها لم تطعه ، وطلب منها أكثر من مرة حليها ليدفع بثمنها دينا عليه فأبت ، لقد حضر قبلي يا بيك ، وأنا أتهمه هو بالسرقة .
وحضر فى تلك اللحظة طبيب المركز ، وأخذ فى فحص الجثة لتوه ، والضابط يرقب عن كثب . وإذا بالشيخ سالم يقترب منه ويطلب بصوت خافت أن يحادثه على انفراد . فدهش الضابط لذلك ، ولكنه سار معه حتى خرج من وسط الجمع المحتشد ثم التفت إليه مستفهما فقال الشيخ :
- لا مؤاخذة يا حضرة الضابط ، ولكن هل رأيت التمزيق الذي أحدثه الذئب في ثياب القتيلة ؟
- طبعا . وقد رأيته أنت أيضا ، فهل لك ملاحظات عليه .
- إن الثوب الخارجي به شق واحد ، وأنا أستغرب حدوثه ! *
فابتسم الضابط قليلا وقال :
- أكنت تريد أن يكون ثلاثة شقوق ، أو جزء منفصل من الثوب بعرض المخلب كله ؟ ، ولكن ألم تلاحظ أن الثوب مشقوق من /أعلا/ أعلى الصدر ، ومعنى ذلك أن الوحش عندما هاجمها تراجعت بالطبع ، فلم يعلق بالثوب إلا ظفر واحد من مخلب الحيوان .
- إن الثوب جديد يا سيدى فلو كان هذا صحيحا لكان التمزيق على شكل زاوية قائمة رأسها عند موضع الظفر ، كما يحدث عندما يعلق مسمار بالثياب ، فنظر إليه الضابط ، وقد أدهشه أن تصدر مثل هذه النظريات من رجل مثله وقال :
- ما رأيك إذن ؟
- لا أحب أن أصرح برأي ختى نسمع تقرير الطبيب .
ورجعا سويا إلى الطبيب الذى كان قد انتهى لتوه من الفحص وأخذ يقول :
- إن هذا الذئب ذكى يا حضرة الملاحظ ، لقد نهش العنق حتى إذا وصلت أسنانه إلى العظام .. أنظر .. هذا أثر نابه لا يزال ظاهرا كخدش فى العظم * ، لما أحس بالعظم انتقل إلى منطقة البطن الطرية .
وتأمل الضابط الخدش الموجود بالعظام ، ثم التفت إلى الدكتور قائلا فى صوت خافت :
-هل تظن أن أنياب الذئب تترك مثل هذا الأثر ؟ إنه مستدير يا دكتور ! ، أعنى أنه لو كان من فعل الحيوان لكان مستقيما إن لم يكن مجوفا إلى الداخل ، ولكن استدارة هذا إلى الخارج .
- الحق معك وهناك شيئا لم أعرفه من أول الأمر ، إنه هذا الأثر ليس خطا واحدا ولكنه اثنين أو ثلاثة خطوط فوق بعضها .
فسكت الملاحظ يفكر طويلا وقد ارتسمت على وجهه علامات الاهتمام الشديد ثم برقت أساريره ، والتفت إلى الطبيب ، وهمس إليه ألا يقول شيئا عما رأى ، وأن لا يصرح بالدفن فورا ، فقال الطبيب :
- ولماذا إذا كنت تريد شيئا من ذلك فأمر به أنت .
- أنا مرتاب فى هذه الظواهر ، ولكن لا أحب أن يعرف أحد ريبتى . *
- لك ما تريد .
***
ونُقلت الجثة إلى بيت الزوج ، ووضعت فى حجرة الجلوس ، لأنها الوحيدة التى يتوافر فيها الضوء ، ودخل الطبيب والملاحظ ، وبعد قليل طلب الشيخ سالم فدخل ، وقال المحقق :
- ما رأيك يا شيخ سالم الآن .
- ألم ير الطبيب شيئا غير عادى فى الجروح ؟
- بل وجد حز فى العنق يستبعد حصوله من الذئب .
- هذا ما كنت أتوقعه .. ، والجرح الآخر أليس به بشىء ؟
- لا شىء إلا تمزيق الثياب الذى تقول عنه .
فهز الشيخ رأسه بأسف وهو يقول :
- لقد كان به أثر مهم ، ولكنه ضاع الآن .
- كيف هذا ! ، كيف يضيع الأثر ؟
- لقد ضاع بتحريك الأحشاء عن موضعها الذى كانت به ، لقد رأيت كل * شىء منذ الأمس ، وبت طول الليل أفكر حتى اهتديت إلى استنتاج عجيب ، ولكنى آثرت ألا أتكلم حتى تلاحظوا وتستنتجوا أنتم ما لاحظت واستنتجت ، حتى لا أكون موضع ريبة منكم :
لو أنكم رأيتم الأحشاء فى موضعها الأول لوجدتم أن بعض الأمعاء مصابة بخدش واحد ، وهى فوق بعضها ثابتة فى مكانها ، ولو كان هذا من فعل الذئب لاجتذب هذه الأجزاء من الأمعاء أو ما فوقها بقليل ، ومعنى هذا أن هذا الخدش حدث بواسطة شىء حاد طويل ، وما دمنا قد رأينا هذا الحز الموجود بالعنق ، فهل بعد هذا شك فى أن هذه الآثار هى آثار سكين ؟
فقال الطبيب :
- لو كان ما تقول صحيحا للاحظ الضابط مالاحظت .
- لقد رأيت الجثة فى الصباح ، ولكنها لم تكن فى موضعها الأول .
فقال الضابط :
- نعم لم تكن فى وضعها الأول ، وقد عرفت ذلك لأول وهلة ، لأن الأرض * كانت كلها مبللة بالندى إلا فى الموضع الذى باتت عليه الجثة ، ولكنى لم أعلق عليه أهمية وقت ذلك .
فتنحنح الشيخ سالم وقال :
- لو عرفنا من الذى غير موضع الجثة لعرفنا القاتل .
فقال الطبيب :
- ومن أين أتى الذئب إذا كان هناك قاتل غيره ؟ إن الوقت حسب روايتك ، لم يكن يتسع ليقتل القاتل ويبتعد ، ويأتى الذئب فيأكل من عدة مواضع .
- إن عندى الجواب إذا أراد حضرة الملاحظ .
فقال الملاحظ وقد عظم قدر هذا الشاب الريفى فى عينه :
- إنك رجل مدهش يا شيخ سالم ، ولكن .. عرضت لى فكرة ، ألا يمكن أن تكون هذه الآثار مفتعلة ؟
- هو ما تقول يا سيدى ، إنه أثر ذئب مزيف .
وعم الغرفة سكون رهيب لهذا التصريح الذى يحول مجرى التحقيق تغييرا * كليا ، وكان الطبيب أول من تكلم قائلا :
- ولكن كيف يمكن تزييف هذا الأثر ؟
فدفع الشخ سالم عمامته إلى الخلف وقال :
- اسمع يا سيدى وصف الحادث كما استنتجته وكما لابد أن يكون لقد علم القاتل بطريقة ما أن فريسته ستخرج فى هذا الوقت فكمن لها فى مكان الحادث حتى أتت فانقض عليها ولكنها قاومت مقاومة لم يكن ينتظرها ، وخشى أن تطول المعركة أكثر من اللازم ، فضربها بسكينه كيفما اتفق ، فجاءت الضربة فى الأحشاء ، فسقطت المسكينة إلى الأرض ، ولكنها لا تزال تستغيث فأسرع إليها فحز عنقها حتى تنقطع صرخاتها . وبعد ذلك يبدأ العمل الفنى العجيب فى الجريمة ، فإنه يحضر ذئبه المزيف فيتركه يأكل من العنق حتى يشوهه وتضيع آثار السكين . وكان عليه أن يجعل الحيوان يأكل من أحشاء الفريسة لسببين : أولهما تشويه مكان الضربة حتى لا تعرف ، والثانى أن المألوف أن يبقر الوحش بطن فريسته أولا . ولكن لم يكن من السهل على المجرم أن يحول الوحش عن العنق المكشوف إلى المنطقة الأخرى التى تغطيها الثياب . فعمد إلى سكين فشق به الثوب فانتقل الحيوان بعد ذلك بسهولة ، فتركه وفر . أما الكلب فظل يأكل حتى أحس بنا فهرب ، وقد كان فهمى إسماعيل غير مسرف فى شكوكه ؛ فلو كان ذئبا لما ترك لنا الفريسة إلا بعد معركة هائلة .
بقى الفصل الأخير ، وقد جاء الصباح ، حين ذهب المجرم الذى أعتقد أنه من بلدتنا أو من بلدة مجاروة لنا – أقول إنه حين ذهب فى الصباح إلى مكان الجريمة لاحظ أنه من الممكن للمدقق أن يلاحظ أثر السكين كشق عميق فى الأمعاء فعمد إلى تحريك الجثة حتى تهتز الأمعاء وتختلط فيضيع الأثر .
***
وساد الغرفة سكون شامل بعد هذا البيان المفصل المدعم بالحجج الثابتة والبراهين الدامغة ، وأخيرا قال الطبيب :
- إن هذه أعجب قضية شهدتها ، بل وسمعت عنها فى حياتى ، وإنى لأعجب أى عقلية تلك التى أملت على صاحبها هذه الأفكار الشيطانية !
فقال الملاحظ :
- إنها لا يمكن أن تكون جريمة أحد الفلاحين العاديين فهم أبسط من هذا بكثير ، نعم إن هذا التعقيد ، والمهارة فى الاختفاء ؟ هما اللذان يساعداننا فى تضييق دائرة البحث ، إنها لابد أن تكون عقلية مثقفة . كم عندكم من المتعلمين يا شيخ سالم ؟
- إنهم أربعة إذا جاز لى أن أعد نفسى متعلما .
وبعد أن كتب الضابط الأسماء التى أملاها عليه قال :
- فيمن تشك من هؤلاء سا شيخ سالم ؟
- أنا لا اشك فى أحد أكثر مما أشك فى الآخر ، ولكنى أحب أن أعرف من غير موضع الجثة
ودخل الخفير فقرر أن أحدا لم يلمس الجثة غير مهدى عامر وزكى مبروك وهما المزارعين عند العمدة ، كما قال ردا على سؤال الضابط :
- لقد حضر فتحى أفندى فى الصباح ، ولكنه لم يقترب من الجثة يا أفندم .
واعترف زكى مبروك بعد أن ذاق من إهانة الضابط الشىء الكثير أن ابن العمدة فتحى أفندى هو الذى أغراه بتحريك الجثة لإغاظة الخفير . ونودى الزوج فسأله الملاحظ ؟
- ما السبب الذى أحدث الشقاق بينك وبين زوجتك ؟
- لم يحدث شقاق يا سيدى ، كل ما فى الأمر اختلاف بسيط .
- وهل الخلاف البسيط يجعلها تخاطر بالسفر ليلا ؟
- الواقع أننى قلت لها كلاما أغاظها ، ولعلى لم أكن على حق فيما قلت .
- وماذا قلت لها ؟
- لقد فات الماضى ، ولا داعى لنبشه .
- لابد أن تتكلم وإلا فإنى آمر بحبسك ؛ إنك تخفى أشياء تهم التحقيق .. ألا تريد أن تتكلم .. ماذا قلت لها ؟
وقام إليه فانهال عليه ضربا ولكن الرجل لم يتكلم ، فقال المحقق :
- أتظن أن سكوتك لا يمكننى من معرفة الحقيقة ؟ لقد عرفتها . إنك لا تريد أن تقول إنك كنت تشك فى تردد شخص على منزلك ، فلما جابهت زوجتك بهذا الكلام ثارت وغضبت وكان ذلك سبب تركها منزلك ليلا .
وكانت رمية أراد بها الضابط أن يحمل الزوج على الكلام ، ولكنه لم يدر أنه أصاب الحقيقة إلا عندما قال الزوج :
- وما دمت تعرف ذلك ، فلماذا كل هذا البحث ؟
- إنما أسألك عن اسم هذا الشخص ؟
- ولماذا أخفى ما لا يضرنى ، إنه فتحى نور الدين .
ولما خرج قال الضابط للشيخ سالم :
- هل فى هذه البلدة كلاب كبيرة سوداء ؟
- بلاد الريف تكثر فيها الكلاب .
فقال الطبيب :
- ولكنى أستطيع أن أميز أثر هذا الكلب إذا /إذا/ رأيته فإن نابه الأيسر أقصر من الأيمن بكثير ، ولعلها مكسورة ، وهذا ظاهر فى الجروح التى أحدثها فى جسم القتيلة .
فقال الضابط : تعالوا نرى هذا الفتحى نور الدين
وسار ثلاثتهم وسار الناس خلفهم إلى بيت العمدة ، فلما وصلوا قابلهم فتحى بسرور مرحبا ، وأمر العمدة بفتح الديوان ، ومر غراب قبل أن يفتح الديوان فرفع الضابط بندقيته بسرعة وأطلق عيارا ناريا أصاب به غرابا وقع على مسافة منهم فأمر بإحضاره والتفت إلى الطبيب قائلا :
- هل تعرف الآن أنى أجيد الرماية ؟
وكان الطبيب على وشك إظهار دهشته لهذا السؤال ، ولكن غمزة حقيقية من عين الضابط جعلته يقول على الفور :
- أنا أعترف لك بالبراعة فى الرماية يا حضرة الملاحظ .
- لو كانت حمامة لكان لنا منها غداء شهى ، ولكن أليس هنا كلب يأكله
- إن عندى كلبا ، فإذا سمحت أخذت له هذه الهدية .
- أحضره هنا ليأكله أمامنا
وصفر فتحى بفمه فأقبل كلب ضخم الجثة قاتم اللون حتى إذار صار قريبا من صاحبه ألقى إليه الضابط الغراب فأخذه الكلب بين فكيه بسرعة ودار على عقبيه ليهرب به ، ولكن الضابط عاجله بضربة قاسية من كعب بندقيته جعلته يترك الغنيمة ويفر وهو يعوى من شدة الألم .
وكان الحاضرون فى دهشة وعجب من هذه التصرفات التى تصدر عن ضابط كبير إلا الشيخ سالم فقد وقف يرقب وعلى فمه بسمة خفيفة ذات معنى . وابتدأ فتحى يحتج على هذه القسوة الصبيانية ولكن الضابط والطبيب كانا فى شغل عنه بفحص آثار أنياب الكلب وما لبثا أن قالا فى نفس واحد :
- إنها هى بغير شك ، الأيسر أقصر من الأيمن .
والتفت الضابط دون أن يتكلم إلى الشيخ سالم فقال /هذا/ :
- لقد كان هذا ظنى منذ البداية ولكنى تركت الأمر لاستنتاجكم .
وكان الناس يسمعون هذا الحوار ولا يعرفون أى شىء حتى قال الطبيب :
- كل الدلائل تشير إليه دون غيره فلا داعى للانتظار .
- الحق معك لا داعى للانتظار .
وتقدم الضابط فى عظمة ووضع القيد الحديدى فى يديه .
***
وبالتفتيش وجدت السكين الملوثة بالدماء والحلى الذهبية كلها مدفونة فى ركن من حظيرة المواشى ببيت العمدة .
وقال الطبيب وهو يهم بركوب السيارة :
- لقد عرفنا كيف وقعت الجريمة ، ولكن لم نعرف الدافع إليها .
فقال الشيخ سالم من خلفه :
- لقد أحبها منذ كانت بكرا ، ولكنها فضلت أن تتزوج عبد السلام ورفضت زواجه .
- فالتفت فتحى إليه محنقا وقال : إذن فهو أنت ... ؟
- لقد أحببتها أنت فقتلتها ، وأحببتها أنا قبلك فأخذت بثأرها .
أحمد الشراقى




















