31 أكتوبر, 2009

الذئب المزيف


النص

وقف الشيخ سالم في المصلى ، وهو يكبِّر مقيما صلاة العشاء ، وانتظم المصلون صفوفا خلفه ، وراحوا يتلون أدعيةً وأورادا قبل أن يدخلوا فى الصلاة ، وإذا بصرخة حادة تشق سكون الليل ، وتلتها صرخة ثانية فثالثة ، وتتابعت الصيحات عالية ترن في هذا السكون الشامل .

واستولى على المصلين شبه ذهول لهذه المفاجأة ، ولكنه سرعان ما انقلب إلى رغبة في مساعدة المستغيث ، فتركوا صلاتهم ، وأخذوا يثبون إلى الطريق ، وينطلقون مسرعين تجاه مصدر الصوت .

وكانت أصوات الاستغاثة لا تزال ترن من بُعد ، ولكنها أخذت تضعف ، حتى إذا وصل الرجال إلى مصدر الصوت كان كل شيء ساكن إلا من بكاء طفل رضيع وجدوه ملقى على الأرض يضرب فى لفائِفه ، ووجدوا قريبا منه كتلة سوداء ، لم تكن إلا جثة والدته باردة لا حياة فيها ، تسبح في بركة من دمائها . *

وما كاد السابق منهم يصل إلى المكان حتى صاح الشيخ سالم :

- ها هو يجري ، أسرعوا خلفه .

- فقال آخر : عمََّ تتكلم ؟

فاستطرد وهو يجري : الذئب .. الذئب .. ألا تروه ، إنه هناك عند مسقى درويش ، أسرعوا قبل أن يدخل الفول .

وهنا بزَّ الرجال على ضوء القمر الذي ظهر من فرجة بين السحب كتلة سوداء صغيرة تظهر وتختفي ، في قفزات واسعة سريعة متجة إلى حقل حسين درويش المنزرع فولا لملاحقته ، فناداهم الشيخ سالم وقد نصب من نفسه رئيسا عليهم :

- لا بد أن يصل الفول قبل أن ندركه فالأفضل أن نقطع عليه الطريق .. مهلا .. دعوه يدخل الفول .. اذهب أنت يا فهمي و...

ولكن ما كان الفلاحون لينتظروا تلقِّى أوامره فلم يتم كلامه ، وراحوا هم يطاردون الوحش دون تدبر ، ووقف الشيخ سالم مغتاظا * لعدم تنفيذ كلامه ، وما هو إلا قليل حتى أبصر شبح الذئب يظهر في حقل مكشوف ، وبعد ثوانٍ كان قد توارى ثانيا فى القمح .

وآلم الشيخ سالم أن يظل هذا الوحش الضارى في مجاوَرَة بلدتهم يهددهم في دواجنهم ، ومواشيهم ، بل وأرواحهم أيضا . وقطع عليه تفكيره صوت صفارة حادة عالية ترن في الفضاء فانتبه ودار على عقبيه ورجع المسافة القصيرة التي كان قد مشيها ، فوجد الخفير واقفا إلى جانب الجثة ، وفي فمه صفارته ينبه بها الناس إلى وقوع الحادث ، فقال له :

- لم كل هذا الضجيج يا هلال ؟ اذهب فبلغ النقطة ، ولا داعي لإقلاق الناس وجمعهم حول المسكينة . هل عرفت من هي ؟

- نعم إنها صباح .

- صباح ؟ زوجة عبد السلام سعد ! ، لا حول ولا قوة إلا بالله .

- أرجوك يا شيخ سالم أن تبلغ العمدة ، لأني لا أستطيع مفارقة المكان حتى يحضر البوليس . *

- إنى ذاهب .. إنى ذاهب .. رحمة الله عليك يا صباح

وهرول الشاب في طريقه إلى القرية ، وهو لا يفتأ يترحم على صباح أجمل فتيات القرية خَـلقا وخـُلقا .

* * *

وبُلغَت الحادثة ، ولكن الملاحظ كان قد خرج في دورية ليلية ، وجاء أمر بحراسة الجثة حتى الصباح لحين حضور الملاحظ .

* * *

وقف ملاحظ بوليس نقطة ( ..... ) أمام القتيلة يتأمل المواقع التي نهشها الذئب فتركها جروحا عميقة واسعة ممزقة الجوانب في غير نظام ، وكانت أنيابه الحادة ظاهرة الأثر في كثير من المواضع ، ففى العنق عدة قضمات على جانبى القصبة الهوائية وفوقها ، وهناك أثر مخلب على الصدغ الأيمن .. وثمت جرح آخر في أسفل الصدر وأعلى البطن وقد مُزقت عنه الثياب ، وبُقرت البطن فبرزت الأحشاء فى شكل بشع مؤلم ، وقد تقطعت فى مواضع عدة بسبب الأظافر التي كانت تعمل فيها بلا شفقة ولا هوادة . *

ولم يكن هناك حاجة لكثير بحث أو تدقيق ، فالجناية ثابتة ضد الوحش ، وكل الشواهد تدل على عدم وجود أي تدخل من بنى الإنسان فى الحادثة .

فتح الملاحظ المحضر وأثبت فيه وصف الحادث ، وأخذ يسمع أقوال الشهود مبتدأ بالشيخ سالم . وهو شاب في السابعة والعشرين ومن خريجى مدارس التعليم الأولى . فسأله بعد الاستفهامات الابتدائية .

- هل كنت أول من سمع الاستغاثة يا شيخ سالم ؟

- أنا وكثيرون غيرى كانوا معى نستعد لصلاة العشاء في المصلى .

- ومن كان أسبقكم إلى هذا المكان ؟

- فهمي إسماعيل ، ولكننا كنا جميعا في أثره متتابعين لضيق الطريق .

- إذا فهو الذي رأى الذئب أولا .

- بل أنا ياسيدى .

- يقول الخفير بأنك لم تكن مع الذين طاردوا الوحش . فلماذا ؟

- لأنني كنت أريد أن تكون المطاردة أكثر نظاما مما كانت ، خصوصا وأننا كنا غير مسلحين ، ولكن أحدا لم يسمع لقولى . *

- ومتى عرفت شخصية القتيلة ؟

- أخبرني بها الخفير ، ورجانى أن أذهب لإبلاغ الخبر للنقطة .

- كفى . أين فهمي إسماعيل ؟

- فتقدم إليه رجل جاوز الأربعين قائلا : نعم يا بيك .

- هل كنت أول من وصل إلى هنا ؟

- أى نعم يا بيك .

- وكيف لم تر الذئب أولا ؟

- لقد رأيته ولكنني شككت في كونه ذئبا .

- عجبا ! وهل يعجز مثلك عن معرفة الذئب ؟

- لا يا بيك . ولكنى أعلم أن الذئب لا يسلم في فريسته بهذه السهولة ، إنني يا حضرة البيك لم أسمع منه حتى أي صوت يدل على التذمر مع أن المسافة التي كانت بيننا لم تكن تزيد على /خمس/ خمسة أقصاب أو ستة .

وطلب المحقق الخفير النظامي فحضر مسرعا ، ووقف أمام رئيسه منتصب القامة ، وأدى التحية العسكرية قائلا : أفندم . *

- كيف عرفت بالحادث ؟

فانطلق الخفير يقول في صوت متزن النبرات ، غير متوقف أو متردد ، كأنما قد حضر إجابته منذ مدة وحفظها :

- سمعت الاستغاثة فحضرت مسرعا ، فلما رأيت القتيلة صفر/ ر/ت مرارا لأنبه الناس ، ولما حضر الشيخ سالم كلفته بتبليغ الحادث للعمدة ، وظللت واقفا هنا هنا حتى /حضرة/ حضر حضرة العمدة ، وكلفنى بحراسة الجثة لحين حضور حضرتكم يا أفندم .

فابتسم الضابط قليلا لهذه المحاضرة القصيرة ، ثم سمع شهادات أخرى ممن حضروا مع الشيخ سالم ، ولكنها لم تضف معلومات جديدة حتى جاء دور الزوج ، فقرر أن زوجته كانت ذاهبة إلى أهلها في عزبة على بعد كيلو متر ونصف من مكان الحادث ، وقال إنها خرجت بدون علمه لشجار حدث بينهما عند عودته من الحقل ، فلما عاد بعد صلاة العشاء لم يجدها في البيت ، وما كاد يخرج للسؤال عنها حتى فوجئ بالخبر المريع ، وتحشرجت الكلمات في حلق الرجل * من شدة الانفعال ، فسكت وانحنى إلى الأرض قليلا ليخفي دمعة أبت إلا أن تتدحرج على خده ، ثم اعتدل وقد احمر وجهه قليلا كأنما أخجله أن يُرى باكيا ، واستطرد يقول :

- إنها هى المذنبة لقد خرجت بدون علمي يا سيدي ، وهي لا تجهل الأخطار الكثيرة التي تعترض السائر ليلا من لصوص ووحوش وعفاريت ، ومع ذلك لم ترحم نفسها ، ولا ولدها ، بل حتى صيغتها أخذتها معها ...
وهنا قاطعه المحقق

- صيغة ؟ هل كان معها مصوغات ؟

- نعم يا سيدي . حلق وكردان وقصبة برقع كلها من الذهب .

- ولكنها وجدت بدون شيء معها .

- ولهذا أتقدم بالشكوى للبحث عن هذه المصوغات إن قيمتها لا تقل عن خمسة عشر جنيها يا سيدي .

- هل تتهم أحدا بأخذها ؟ إن الذئب لا يمكن أن يفعل ذلك .

- لا يمكننى أن أتهم أحدا على وجه التخصيص . ولكني أشك في كل من رأى الجثة قبلى .

وهنا اندفع رجل من الواقفين يقول بحده ظاهرة :

- بل أنت الذى أخذتها يا عبد السلام .. إنه أنت .

فالتفت إليه الضابط في غضب قائلا :

- من أنت ؟

- أنا فوزي محمد أخو القتيلة . إنه هو ياحضرة البيك الذي سرق حلى أختي ، وهو الذي قتلها أيضا ، لأنه هو الذي أغضبها ، ودفعها إلى الخروج مع علمه بوجود هذا الوحش فضلا عن اللصوص من بني الإنسان ، فلما علم بموتها أخفى الحلى ، ثم جاء هنا يلقي التهمة على غيره .

- هل تظن إذن أن الحلى لم تكن مع أختك عند خروجها ؟

- أبدا . بل لقد أخبرتنى منذ مدة كبيرة أنه حجزها عنها ، حتى لا تأخذها معها إذا غضبت .

فقال عبد السلام سعد : *

- لا تصدقه يا حضرة البيك فهو كاذب ، ولم يحصل شيء من ذلك ، ولكن ما دام هو الذي بدأ بذلك فلن أخفى أنا عنك شيئا ، إنه مغتاظ منى منذ تزوجت أخته بدون رضاه ، وقد حرض زوجتى مرارا على أن تغضب مني ليطلقها ، ولكنها لم تطعه ، وطلب منها أكثر من مرة حليها ليدفع بثمنها دينا عليه فأبت ، لقد حضر قبلي يا بيك ، وأنا أتهمه هو بالسرقة .

وحضر فى تلك اللحظة طبيب المركز ، وأخذ فى فحص الجثة لتوه ، والضابط يرقب عن كثب . وإذا بالشيخ سالم يقترب منه ويطلب بصوت خافت أن يحادثه على انفراد . فدهش الضابط لذلك ، ولكنه سار معه حتى خرج من وسط الجمع المحتشد ثم التفت إليه مستفهما فقال الشيخ :

- لا مؤاخذة يا حضرة الضابط ، ولكن هل رأيت التمزيق الذي أحدثه الذئب في ثياب القتيلة ؟

- طبعا . وقد رأيته أنت أيضا ، فهل لك ملاحظات عليه .

- إن الثوب الخارجي به شق واحد ، وأنا أستغرب حدوثه ! *

فابتسم الضابط قليلا وقال :

- أكنت تريد أن يكون ثلاثة شقوق ، أو جزء منفصل من الثوب بعرض المخلب كله ؟ ، ولكن ألم تلاحظ أن الثوب مشقوق من /أعلا/ أعلى الصدر ، ومعنى ذلك أن الوحش عندما هاجمها تراجعت بالطبع ، فلم يعلق بالثوب إلا ظفر واحد من مخلب الحيوان .

- إن الثوب جديد يا سيدى فلو كان هذا صحيحا لكان التمزيق على شكل زاوية قائمة رأسها عند موضع الظفر ، كما يحدث عندما يعلق مسمار بالثياب ، فنظر إليه الضابط ، وقد أدهشه أن تصدر مثل هذه النظريات من رجل مثله وقال :

- ما رأيك إذن ؟

- لا أحب أن أصرح برأي ختى نسمع تقرير الطبيب .


ورجعا سويا إلى الطبيب الذى كان قد انتهى لتوه من الفحص وأخذ يقول :

- إن هذا الذئب ذكى يا حضرة الملاحظ ، لقد نهش العنق حتى إذا وصلت أسنانه إلى العظام .. أنظر .. هذا أثر نابه لا يزال ظاهرا كخدش فى العظم * ، لما أحس بالعظم انتقل إلى منطقة البطن الطرية .

وتأمل الضابط الخدش الموجود بالعظام ، ثم التفت إلى الدكتور قائلا فى صوت خافت :

-هل تظن أن أنياب الذئب تترك مثل هذا الأثر ؟ إنه مستدير يا دكتور ! ، أعنى أنه لو كان من فعل الحيوان لكان مستقيما إن لم يكن مجوفا إلى الداخل ، ولكن استدارة هذا إلى الخارج .
- الحق معك وهناك شيئا لم أعرفه من أول الأمر ، إنه هذا الأثر ليس خطا واحدا ولكنه اثنين أو ثلاثة خطوط فوق بعضها .

فسكت الملاحظ يفكر طويلا وقد ارتسمت على وجهه علامات الاهتمام الشديد ثم برقت أساريره ، والتفت إلى الطبيب ، وهمس إليه ألا يقول شيئا عما رأى ، وأن لا يصرح بالدفن فورا ، فقال الطبيب :

- ولماذا إذا كنت تريد شيئا من ذلك فأمر به أنت .

- أنا مرتاب فى هذه الظواهر ، ولكن لا أحب أن يعرف أحد ريبتى . *

- لك ما تريد .

***

ونُقلت الجثة إلى بيت الزوج ، ووضعت فى حجرة الجلوس ، لأنها الوحيدة التى يتوافر فيها الضوء ، ودخل الطبيب والملاحظ ، وبعد قليل طلب الشيخ سالم فدخل ، وقال المحقق :

- ما رأيك يا شيخ سالم الآن .

- ألم ير الطبيب شيئا غير عادى فى الجروح ؟

- بل وجد حز فى العنق يستبعد حصوله من الذئب .

- هذا ما كنت أتوقعه .. ، والجرح الآخر أليس به بشىء ؟

- لا شىء إلا تمزيق الثياب الذى تقول عنه .

فهز الشيخ رأسه بأسف وهو يقول :
- لقد كان به أثر مهم ، ولكنه ضاع الآن .

- كيف هذا ! ، كيف يضيع الأثر ؟

- لقد ضاع بتحريك الأحشاء عن موضعها الذى كانت به ، لقد رأيت كل * شىء منذ الأمس ، وبت طول الليل أفكر حتى اهتديت إلى استنتاج عجيب ، ولكنى آثرت ألا أتكلم حتى تلاحظوا وتستنتجوا أنتم ما لاحظت واستنتجت ، حتى لا أكون موضع ريبة منكم :

لو أنكم رأيتم الأحشاء فى موضعها الأول لوجدتم أن بعض الأمعاء مصابة بخدش واحد ، وهى فوق بعضها ثابتة فى مكانها ، ولو كان هذا من فعل الذئب لاجتذب هذه الأجزاء من الأمعاء أو ما فوقها بقليل ، ومعنى هذا أن هذا الخدش حدث بواسطة شىء حاد طويل ، وما دمنا قد رأينا هذا الحز الموجود بالعنق ، فهل بعد هذا شك فى أن هذه الآثار هى آثار سكين ؟

فقال الطبيب :
- لو كان ما تقول صحيحا للاحظ الضابط مالاحظت .

- لقد رأيت الجثة فى الصباح ، ولكنها لم تكن فى موضعها الأول .

فقال الضابط :
- نعم لم تكن فى وضعها الأول ، وقد عرفت ذلك لأول وهلة ، لأن الأرض * كانت كلها مبللة بالندى إلا فى الموضع الذى باتت عليه الجثة ، ولكنى لم أعلق عليه أهمية وقت ذلك .

فتنحنح الشيخ سالم وقال :
- لو عرفنا من الذى غير موضع الجثة لعرفنا القاتل .

فقال الطبيب :
- ومن أين أتى الذئب إذا كان هناك قاتل غيره ؟ إن الوقت حسب روايتك ، لم يكن يتسع ليقتل القاتل ويبتعد ، ويأتى الذئب فيأكل من عدة مواضع .

- إن عندى الجواب إذا أراد حضرة الملاحظ .

فقال الملاحظ وقد عظم قدر هذا الشاب الريفى فى عينه :
- إنك رجل مدهش يا شيخ سالم ، ولكن .. عرضت لى فكرة ، ألا يمكن أن تكون هذه الآثار مفتعلة ؟

- هو ما تقول يا سيدى ، إنه أثر ذئب مزيف .

وعم الغرفة سكون رهيب لهذا التصريح الذى يحول مجرى التحقيق تغييرا * كليا ، وكان الطبيب أول من تكلم قائلا :
- ولكن كيف يمكن تزييف هذا الأثر ؟

فدفع الشخ سالم عمامته إلى الخلف وقال :
- اسمع يا سيدى وصف الحادث كما استنتجته وكما لابد أن يكون لقد علم القاتل بطريقة ما أن فريسته ستخرج فى هذا الوقت فكمن لها فى مكان الحادث حتى أتت فانقض عليها ولكنها قاومت مقاومة لم يكن ينتظرها ، وخشى أن تطول المعركة أكثر من اللازم ، فضربها بسكينه كيفما اتفق ، فجاءت الضربة فى الأحشاء ، فسقطت المسكينة إلى الأرض ، ولكنها لا تزال تستغيث فأسرع إليها فحز عنقها حتى تنقطع صرخاتها . وبعد ذلك يبدأ العمل الفنى العجيب فى الجريمة ، فإنه يحضر ذئبه المزيف فيتركه يأكل من العنق حتى يشوهه وتضيع آثار السكين . وكان عليه أن يجعل الحيوان يأكل من أحشاء الفريسة لسببين : أولهما تشويه مكان الضربة حتى لا تعرف ، والثانى أن المألوف أن يبقر الوحش بطن فريسته أولا . ولكن لم يكن من السهل على المجرم أن يحول الوحش عن العنق المكشوف إلى المنطقة الأخرى التى تغطيها الثياب . فعمد إلى سكين فشق به الثوب فانتقل الحيوان بعد ذلك بسهولة ، فتركه وفر . أما الكلب فظل يأكل حتى أحس بنا فهرب ، وقد كان فهمى إسماعيل غير مسرف فى شكوكه ؛ فلو كان ذئبا لما ترك لنا الفريسة إلا بعد معركة هائلة .

بقى الفصل الأخير ، وقد جاء الصباح ، حين ذهب المجرم الذى أعتقد أنه من بلدتنا أو من بلدة مجاروة لنا – أقول إنه حين ذهب فى الصباح إلى مكان الجريمة لاحظ أنه من الممكن للمدقق أن يلاحظ أثر السكين كشق عميق فى الأمعاء فعمد إلى تحريك الجثة حتى تهتز الأمعاء وتختلط فيضيع الأثر .

***

وساد الغرفة سكون شامل بعد هذا البيان المفصل المدعم بالحجج الثابتة والبراهين الدامغة ، وأخيرا قال الطبيب :
- إن هذه أعجب قضية شهدتها ، بل وسمعت عنها فى حياتى ، وإنى لأعجب أى عقلية تلك التى أملت على صاحبها هذه الأفكار الشيطانية !

فقال الملاحظ :
- إنها لا يمكن أن تكون جريمة أحد الفلاحين العاديين فهم أبسط من هذا بكثير ، نعم إن هذا التعقيد ، والمهارة فى الاختفاء ؟ هما اللذان يساعداننا فى تضييق دائرة البحث ، إنها لابد أن تكون عقلية مثقفة . كم عندكم من المتعلمين يا شيخ سالم ؟
- إنهم أربعة إذا جاز لى أن أعد نفسى متعلما .

وبعد أن كتب الضابط الأسماء التى أملاها عليه قال :
- فيمن تشك من هؤلاء سا شيخ سالم ؟
- أنا لا اشك فى أحد أكثر مما أشك فى الآخر ، ولكنى أحب أن أعرف من غير موضع الجثة

ودخل الخفير فقرر أن أحدا لم يلمس الجثة غير مهدى عامر وزكى مبروك وهما المزارعين عند العمدة ، كما قال ردا على سؤال الضابط :
- لقد حضر فتحى أفندى فى الصباح ، ولكنه لم يقترب من الجثة يا أفندم .

واعترف زكى مبروك بعد أن ذاق من إهانة الضابط الشىء الكثير أن ابن العمدة فتحى أفندى هو الذى أغراه بتحريك الجثة لإغاظة الخفير . ونودى الزوج فسأله الملاحظ ؟
- ما السبب الذى أحدث الشقاق بينك وبين زوجتك ؟
- لم يحدث شقاق يا سيدى ، كل ما فى الأمر اختلاف بسيط .
- وهل الخلاف البسيط يجعلها تخاطر بالسفر ليلا ؟
- الواقع أننى قلت لها كلاما أغاظها ، ولعلى لم أكن على حق فيما قلت .
- وماذا قلت لها ؟
- لقد فات الماضى ، ولا داعى لنبشه .
- لابد أن تتكلم وإلا فإنى آمر بحبسك ؛ إنك تخفى أشياء تهم التحقيق .. ألا تريد أن تتكلم .. ماذا قلت لها ؟

وقام إليه فانهال عليه ضربا ولكن الرجل لم يتكلم ، فقال المحقق :
- أتظن أن سكوتك لا يمكننى من معرفة الحقيقة ؟ لقد عرفتها . إنك لا تريد أن تقول إنك كنت تشك فى تردد شخص على منزلك ، فلما جابهت زوجتك بهذا الكلام ثارت وغضبت وكان ذلك سبب تركها منزلك ليلا .

وكانت رمية أراد بها الضابط أن يحمل الزوج على الكلام ، ولكنه لم يدر أنه أصاب الحقيقة إلا عندما قال الزوج :
- وما دمت تعرف ذلك ، فلماذا كل هذا البحث ؟
- إنما أسألك عن اسم هذا الشخص ؟
- ولماذا أخفى ما لا يضرنى ، إنه فتحى نور الدين .

ولما خرج قال الضابط للشيخ سالم :
- هل فى هذه البلدة كلاب كبيرة سوداء ؟
- بلاد الريف تكثر فيها الكلاب .

فقال الطبيب :
- ولكنى أستطيع أن أميز أثر هذا الكلب إذا /إذا/ رأيته فإن نابه الأيسر أقصر من الأيمن بكثير ، ولعلها مكسورة ، وهذا ظاهر فى الجروح التى أحدثها فى جسم القتيلة .

فقال الضابط : تعالوا نرى هذا الفتحى نور الدين

وسار ثلاثتهم وسار الناس خلفهم إلى بيت العمدة ، فلما وصلوا قابلهم فتحى بسرور مرحبا ، وأمر العمدة بفتح الديوان ، ومر غراب قبل أن يفتح الديوان فرفع الضابط بندقيته بسرعة وأطلق عيارا ناريا أصاب به غرابا وقع على مسافة منهم فأمر بإحضاره والتفت إلى الطبيب قائلا :
- هل تعرف الآن أنى أجيد الرماية ؟

وكان الطبيب على وشك إظهار دهشته لهذا السؤال ، ولكن غمزة حقيقية من عين الضابط جعلته يقول على الفور :
- أنا أعترف لك بالبراعة فى الرماية يا حضرة الملاحظ .
- لو كانت حمامة لكان لنا منها غداء شهى ، ولكن أليس هنا كلب يأكله
- إن عندى كلبا ، فإذا سمحت أخذت له هذه الهدية .
- أحضره هنا ليأكله أمامنا

وصفر فتحى بفمه فأقبل كلب ضخم الجثة قاتم اللون حتى إذار صار قريبا من صاحبه ألقى إليه الضابط الغراب فأخذه الكلب بين فكيه بسرعة ودار على عقبيه ليهرب به ، ولكن الضابط عاجله بضربة قاسية من كعب بندقيته جعلته يترك الغنيمة ويفر وهو يعوى من شدة الألم .

وكان الحاضرون فى دهشة وعجب من هذه التصرفات التى تصدر عن ضابط كبير إلا الشيخ سالم فقد وقف يرقب وعلى فمه بسمة خفيفة ذات معنى . وابتدأ فتحى يحتج على هذه القسوة الصبيانية ولكن الضابط والطبيب كانا فى شغل عنه بفحص آثار أنياب الكلب وما لبثا أن قالا فى نفس واحد :
- إنها هى بغير شك ، الأيسر أقصر من الأيمن .

والتفت الضابط دون أن يتكلم إلى الشيخ سالم فقال /هذا/ :
- لقد كان هذا ظنى منذ البداية ولكنى تركت الأمر لاستنتاجكم .

وكان الناس يسمعون هذا الحوار ولا يعرفون أى شىء حتى قال الطبيب :
- كل الدلائل تشير إليه دون غيره فلا داعى للانتظار .
- الحق معك لا داعى للانتظار .

وتقدم الضابط فى عظمة ووضع القيد الحديدى فى يديه .

***


وبالتفتيش وجدت السكين الملوثة بالدماء والحلى الذهبية كلها مدفونة فى ركن من حظيرة المواشى ببيت العمدة .

وقال الطبيب وهو يهم بركوب السيارة :
- لقد عرفنا كيف وقعت الجريمة ، ولكن لم نعرف الدافع إليها .

فقال الشيخ سالم من خلفه :
- لقد أحبها منذ كانت بكرا ، ولكنها فضلت أن تتزوج عبد السلام ورفضت زواجه .
- فالتفت فتحى إليه محنقا وقال : إذن فهو أنت ... ؟
- لقد أحببتها أنت فقتلتها ، وأحببتها أنا قبلك فأخذت بثأرها .

انتهى
أحمد الشراقى

06 أكتوبر, 2009

صناع الحياة .. الأمريكية


فالحياة فى أمريكا مثلا إنما تقودها الصفوة التى فيها ، وليسوا الذين نراهم يصفقون فى المسابقات التليفزيونية ، ولا الذين يتسكعون وتدمرهم المخدرات.

بل هم نخبة من أساتذة الجامعات وأعضاء مراكز البحوث ، ومدراء الشركات الكبيرة ومدراء البنوك ، ووكلاء المخابرات الداخلية والخارجية ، والأعضاء الحاليين والسابقين فى الكونجرس ، وكبار القضاة والمحامين ، وعناصر المافيا ، ورؤساء النقابات ، ورجال البيت الأبيض ، وعشرة فى السيتى بنك ، وتسعة فى مقر أرامكو ، وثمانية فى دهاليز بنك النقد الدولى ، وسبعة من رؤساء تحرير الصحف ، وستة من رؤساء الجمعيات اليهودية والماسونية ، وبقية المائتى مليون يعيشون على هامش الحياة ، همهم البطون والجنس ، وتجدهم بين رفوف السوبر ماركت وأمام التليفزيون ، أو فى زاوية من مطاعم ماكدونالز.

إن خمسين ألفا فقط هم الذين يوجهون مسيرة أمريكا الحضارية ، سياسيا واقتصاديا وعلميا وعسكريا ونفسيا ، والبقية تتبع .


محمد أحمد الراشد : صناعة الحياة

04 أكتوبر, 2009

عمالة 1967


أيمكن أن أكون محايدا وأنا أكتب عن هزيمة 1967 التى لم تترك قيادتنا ثغرة واحدة يمكن أن ينفذ منها النصر العربى إلا سدتها ، ولا غلطة يمكن أن يستفيد منها العدو لم ترتكبها ؟!

  • رفضوا البدء بالهجوم .
  • قرروا تلقى الضربة الأولى ونشروا ذلك علنا فى "الأهرام" لإخطار إسرائيل رسميا ..
  • تركوا طائراتنا فى العراء بعدما ألغو بند تغطية الطائرات فى ميزانية عام 1966 – 1967 .
  • أصدروا أمرا إلى قوات الدفاع الجوى بعدم إطلاق النار على أية طائرة لأن طائرة المشير فى الجو لحظة الهجوم الإسرائيلى .
  • غيروا الشفرة صباح يوم الهجوم لكى لا يتلقوا إخطار محطة الإنذار المبكر التى أقيمت فى الأردن لمهمة واحدة هى الإخطار عن تحرك الطيران الإسرائيلى ، فلما أبلغت المحطة عجزت مصر عن تلقى الإشارة لأن الشفرة تغيرت .. وبعدها بالصدفة قتل عبد المنعم رياض لكى لا يحكى عما شاهده فى الأردن ، وسمعه فى تلك اللحظات ..
محمد جلال كشك : ثورة يوليو الأمريكية

عربية الجغرافيا


وخط الاستواء يقسم الأرض بنصفين من الغرب إلى الشرق وهو طول الأرض وأكبر خط فى كرتها كما أن منطقة فلك البروج ودائرة معدل النهار أكبر خط فى الفلك .

ومنطقة البروج منقسمة بثلثمائة وستين درجة والدرجة من مسافة الأرض خمسة وعشرون فرسخا والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع فى ثلاثة أميال أربعة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعا والإصبع ست حبات شعير مصفوفة ملصق بعضها إلى بعض ظهرا لبطن .

وبين دائرة معدل النهار التى تقسم الفلك بنصفين وتسامت خط الاستواء من الأرض وبين كل واحد من القطبين تسعون درجة لكن العمارة فى الجهة الشمالية من خط الاستواء أربع وستون درجة والباقى منها خلاء لا عمارة فيه ، لشدة البرد والجمود كما كانت الجهة الجنوبية خلاء لشدة الحر كما نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى .

ابن خلدون : المقدمة

دعينى .. أحبك


دعيني أقاوم شوقي إليك
وأهرب منك ولو في الخيال
لأني أحبك وهما طويــلا
وحلم بعيني بعيد المنال
دعيني أراك هداية عمــري
وإن كنت في العمر بعض الضلال
دعينـــي أقـاوم شوقـي إليــك
فإني سئمت قصور الرمال
نحب كثيرا ونبني قصورا
وتغدو مع البعد بعض الظلال
دعيني أراك كما شئت يوما
وإن كنت طيفا سريع الزوال
فما زلت كالحلم يبدو قريبا
وتطويه منا دروب المحال

شعر : فاروق جويدة

03 أكتوبر, 2009

الحقبة الناصرية باترة التاريخ


كما كان ذلك التجهيل والتشويه ضروريا حتى يمكن سلب رجالات التاريخ المصرى أفضالهم ، وحتى يجلس "أحمد فؤاد" فى مقعد "طلعت حرب" ويعتبر ذلك إنجازا ثوريا ومكسبا شعبيا !! وحتى يعتبر الجيل المبتور التاريخ أن بناء سد على النيل بقرض اجنبى وخبرة أجنبية وتنفيذ أجنبى ودون مساهمة مصرية تذكر من الناحية التكنولوجية ، يعتبر عملا خالدا بطوليا عجائبيا يكفى لمحو كل ما حدث من أخطاء وخطايا .. ! لأنهم لا يعرفون أن "محمد على" مثلا بنى "القناطر الخيرية" التى كانت فى ظروفها وظروف مصر منذ ما يقرب من مائتى سنة عملا خارقا "لم يتأت للملوك الكبار" وكانت نتائجها ولا تزال على جغرافية مصر واقتصاد مصر وإنسان مصر ما لا سبيل إلى مقارنته بأى أحلام معلقة على السد العالى .

بناها محمد على قبل أن يوجد فى مصر مهندس مصرى واحد ! وبناها بدون أن يقترض مليما من الخارج يرهق ميزانية عدة أجيال لا يعلم إلا الله عددها . ولم يهتف مرة واحدة "حنبنى القناطر" ، ولا سجل التاريخ له خطبة واحدة حول بناء القناطر أو المؤامرة الدولية ضد بنائها .. كما لا يعرف هذا الجيل أنه فى ظل الاستعمار البريطانى أمكن أن تقيم مصر خزان أسوان – 1903- ونتائجه المحققة حتى الآن تفوق التوقعات المحتملة للسد العالى .


محمد جلال كشك : ثورة يوليو الأمريكية

02 أكتوبر, 2009

القرشية اليوم


ويوم بدر خرج الثلاثة الكفار من قريش يطلبون المبارزة ، فأخرج لهم النبى (صلى لله عليه وسلم) ثلاثة من الأنصار ، فقالوا : والله لا نطعن فى أحسابهم ولا أنسابهم ، ولكن أخرج لنا أكفاءنا من قريش . فأخرج لهم عليا وحمزة وأبا سفيان بن الحارث ، فقتلوهم .

وكذلك الناس دوما تحب المكافأة حتى إذا هم يُقتلون ، والقرشية اليوم تتمثل فى الصروح العلمية ، والمجامع الأدبية ، والمعارض الفنية ، والمتاحف الأثرية ، والمؤسسات الصحفية والمعاهد السياسية والدور الوثائقية ، والشركات الصناعة ، والقاعات المصرفية ، وعلى دعاة الإسلام اليوم أن ينطلقوا منها للمبارزة .

دعوة التبليغ أجادت غرس الثقة فى داعتها ، وبخطبة واحدة يتعلمونها يجوبون الآفاق ويواجهون المجتمع ، وآخرون يأمرون إخوانهم بضم الرأس ويقولون لفتى الصحوة : أنت فى خندق احترس وأتقن الاختباء .

كلا ، بل نحن فى عرصة واسعة وليس الخندق الضيق ، ومعنا كل الخطب المتنوعة الفصيحة ، ومعنا ثوابت الإسلام وحماسات الظلال وتفريعات القرضاوى وعقلانيات المودودى وتسبيحات النورسى ، والذين ظلموا الدعوة دهرا فى يأس اليوم .



محمد أحمد الراشد : صناعة الحياة

08 مايو, 2009

وطنيات البنا


وطنية الحنين
إن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب هذه الارض وألفتها والحنين إليها ، والانعطاف نحوها ، فذلك أمر مركوز فى فِطـَر النفوس من جهة ، مأمور به فى الإسلام من جهة أخرى ، وإن بلالا الذى ضحى بكل شىء فى سبيل عقيدته ودينه هو بلال الذى كان يهتف فى دار الهجرة بالحنين إلى مكة فى أبيات تسيل رقة وتقطر حلاوة :
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة .. بواد وحولــى إذخر وجليـــل
وهل أردْن يومـا ميـاه مجنـَّة .. وهل يبدونْ لى شامة وطفيل

وطنية الحرية والعزة
وإن كانوا يريدون أن من الواجب العمل بكل جهد فى تحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله له وغرس مبادىء العزة والحرية فى نفوس أبنائه فنحن معهم فى ذلك أيضا ، وقد شدد الإسلام فى ذلك أبلغ التشديد ، فقال تبارك وتعالى : " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون " ، ويقول : " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " .

وطنية المجتمع
وإن كانوا يريدون بالوطنية تقوية الروابط بين أفراد القطر الواحد وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية فى مصالحهم فذلك نوافقهم فيه أيضا ، ويراه الإسلام فريضة لازمة فيقول نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) : " وكونوا عباد الله إخوانا " ، ويقول القرآن الكريم : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون " .

وطنية الفتح
وإن كانوا يريدون بالوطنية فتح البلاد وسيادة الأرض فقد فرض ذلك الإسلام ووجه الفاتحين إلى أفضل استعمار وأبرك فتح ، فذلك قوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ... "


حدود وطنيتنا
أما وجه الخلاف بيننا وبينهم ، فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونه بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية ، فكل بقعة فيها مسلم يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وطن عندنا له حريته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد فى سبيل خيره ، وكل المسلمين فى هذه الأقطار الجغارفية أهلنا وإخواننا ، نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم . ودعاة الوطنية فقط ليسوا كذلك ، فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض .

حسن البنا : دعوتنا ( الرسائل )

07 مايو, 2009

" أنا " .. صوفيـًا


إن مفتاح العالم بيد الإنسان ، ومعلق على نفسه ، فالكون يبدو وكأن أبوابه مفتحة ظاهرا إلا أنها منغلقة فى الحقيقة . فالحق سبحانه وتعالى أودع - من جهة الأمانة - فى الإنسان مفتاحا - يسمى " أنا " - يفتح كل أبواب العالم ، وأودعه أنانية ذات طلاسم يفتح ويكشف بها الكنوز المخفية لخلاق الكون ، إلا أن " أنا " هى - فى ذاتها - معمًّى فى غاية الغموض ، وطلسم مشكل فتحه وكشفه ، فإذا عرفت ماهيتها الحقيقية ، وسر خلقتها ؛ ينفتح الكون كما تنفتح هى نفسها .

وذلك : أن الصانع الحكيم قد جعل بيد الإنسان - أمانةً - " أنا " جامعة لإشارات ونماذج تُعرِّف وتُظهر حقيقة صفات وشئون ربوبيته ؛ حتى تصبح " أنا " هذه وحدة قياس وتُعرف بها صفات الربوبية وشئون الألوهية ، إلا أنه لا يلزم أن تكون وحدة القياس موجودا حقيقيا ، بل يمكن أن تشكل وحدة قياس - بالفرض والتوهم لا بالعلم والتحقق - كالخطوط الافتراضية فى الهندسة .

بديع الزمان النورسى : أنا والذرة ( الرسالة الثلاثون من رسائل النور )

27 أبريل, 2009

رفض التاريخ علميا


وكثيرا ما يعرض للسامعين قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم كما نقل المسعودى عن الإسكندر لمّا صدته دواب البحر عن بناء الإسكندرية ، وكيف اتخذ تابوت الخشب وفى باطنه صندوق الزجاج وغاص فيه إلى قعر البحر حتى كتب صور تلك الدواب الشيطانية التى رآها وعمل تماثيلها من أجساد معدنية ونصبها حذاء البنيان ففرت تلك الدواب حين خرجت وعاينتها وتم له بناؤها .

فى حكاية طويلة من أحاديث خرافة مستحيلة من قبل اتخاذه التابوت الزجاجى ومصادمة البحر وأمواجه بجرمه .....

وهذه كلها قادحة فى تلك الحكاية والقادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كله وهو : أن المنغمس فى الماء ولو كان فى الصندوق يضيق عليه الهواء للتنفس الطبيعى وتسخن روحه بسرعة لقلته ، فيفقد صاحبه الهواء البارد المعدل لمزاج الرئة والروح القلبى ويهلك مكانه .

وهذا هو السبب فى هلاك أهل الحمامات إذا أطبقت عليهم عن الهواء البارد والمتدلين فى الآبار والمطامير العميقة المهوى إذا سخن هواؤها بالعفونة ولم تداخلها الرياح فتخلخله فإن المتدلى فيها يهلك لحينه .

وبهذا السبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر فإن الهواء لا يكفيه لتعديل رئته إذ هو حار فيستولى الحار على روحه الحيوانى ويهلك دفعة ، ومنه هلاك المصعوقين وأمثال ذلك .


عبد الرحمن بن خلدون : المقدمة

16 أبريل, 2009

مىّ


ولما تفيأنا ظـــلال خميـلــة
تساقط مثل الدر فوق خطــانا
وحدثتها بالحب - وهى مصيخة
على أمـــل أن تلتقى روحانــا
أشاحت إلى الأزهار عنى بوجهها
دلالا وقالت لى " كفى هذيانــا
أتأمل منى أن أصدق بالــهوى
جزافا .. وطرفى لا يراه عيانا ؟ "

فقلت " لها يا مى ! ما الروض ناضرا
ولا الطير أحلى ما يكون لسانــــا
بأحسن من خد تورد فى الصبـــا
وأعذب من ثغـــر يفيض بيانـــا
لقد كان أولى أن نبيـح لبعضنـــا
عوالم بعض فى ربيــع صبانـــا
وما قيمة الأزهار فى جانب الصبا
أليس الصبا – يا مى – أعظم شانا ؟
أناشدك الحـــــب الذى عهدنا بــه
سويا كأخفــــى ما يكون مكانــا

ألم تشعرى شيئا تمثل بيننا
لأول عهد تم فيه لقانـــا ؟
أبعد تعاطينا معا كأس ألفة
يجوز لنا ألا نحس صدانــا ؟
فمالك تستعدين قلبى على الهوى
كأنك ما شاطرتــه الخفقانــــا

تعالى إلى عهد وثيق من الهوى
نعيش عليه فى الحياة كلانــا
فلا يزدهى قلبى بشىء مؤمل
إذا لم يصادف فى فؤادك شانا
نفرغ فى كأس الأمانى حبنا
فتسعى به ما بيننـــا شفتانـــا
ولا نلتقى إلا كما لفت الصبا
فروعا تفيأنـــا بهن أمانـــا

ونختال فى روض المحبة وحدنا
فلا يتغنى طيــــرها لسوانـــا
وإن تعهدى يوما فؤادك خفاقا
شعرت لقلبــى مثله خفقانــــا
كأن الذى ينساب ملء كليهما
صبابة ما ساقى الغرام سقانا
وآنا نبكى كالطيور وجودنـــا
بلحن ... وكالأزهار نضحك آنا

فنسعد بعضا باشتراك سرورنا
ونســعد بعضا باشتراك أسانـــا
كذلك نحيا بالسواء ... وها فمى
ضمانا لعهد لو أردت لكانـــا


شعر : إبراهيم العريض

13 أبريل, 2009

ناصر والسادات .. رؤية أفغانية


كانت فكرتهم عن عبد الناصر أنه زعيم إسلامى وبطل هزم الإنجليز والفرنسيين فى "بورسعيد" ، وتصدى لحرب اليهود ، ولم نجد صعوبة فى تصحيح تلك الصورة لأنهم كانوا يعرفون علاقته الوثيقة بروسيا ، فكان يكفى أن نقول لهم أنه كان (كمونست .. روس أندوال) أى صديق الروس حتى يقتنعون أنه (خوب نيس) أى ليس جيدا ، وقد ذكر الشيخ سياف أن القبائل الأفغانية قد استفزتها هزيمة 67 فثارت وحاصرت "كابل" ودخلتها وطالبت الحكومة بإرسال الجيش والمتطوعين لحرب اليهود ، وأحاطوا بالسفارة المصرية ودوت هتافاتهم وطلقاتهم يريدون أن تمنحهم السفارة تأشيرة ليحاربوا اليهود فما خرج لهم سوى فرّاش السفارة ,اخبرهم أن مصر ليست فى حاجة إلى خدماتهم ، وكان الشيخ " سياف " شاهد عيان على هذا الموقف .

أما " السادات " فكنا نجد صعوبة بالغة فى نقل صورته الحقيقية للمجاهدين وذلك لعدة أسباب أولا : لأنه طرد الروس من " مصر " وهو عمل عند الأفغان عظيم ، ثانيا : لأنه ثأر لهزيمة 67 وانتصرعلى اليهود فى حرب رمضان – أكتوبر 73 ، ثالثا : لأنه أمد المجاهدين بكميات هائلة من السلاح والذخائر وأيدهم على المستوى الدولى ، رابعا : لأنهم يظنونه حنفى المذهب ، ويحسبون ذلك هو سر مساعدته لهم ، ولا أنسى أحد القادة وقد غضب لأننى أنتقص من الشهيد " السادات " ( على حد قوله ) الحنفى المذهب الذى لولاه لكنا ما نزال نقاتل بالحجارة والخناجر .


والحقيقة أن " السادات " قدم للمجاهدين مساعدات عسكرية قيمة وفى أحرج الأوقات ، ولم ير المجاهدون الهاون ولا الآر بى جى ولا الجرينوف ولا الرشاش الخفيف ولا صواريخ الصقر إلا عندما قدمها لهم " السادات " ، ولكنهم لا يستطيعون فهم دوافع هذه المساعدات ، فقد كان السادات فى عزلة عربية وإسلامية قاتلة بسبب معاهدة الاستسلام مع اليهود فقد طردت مصر من الجامعة العربية ومن منظمة المؤتمر الإسلامى وقطعت معظم الدول علاقتها الدبلوماسية معها وكان " السادات " يريد كسر هذه العزلة بأى طريقة ، كما أن السادات كان يعادى الشيوعية والاتحاد السوفيتى ليس لوجه الله بل حبا وافتتانا بأمريكا والغرب ، وأدت سياسة الانفتاح والاتجاه غربا إلى عداء اليساريين المصريين والناصريين والقوميين وتآمر تلك القوى وتألبها عليه ، وقد شجعت روسيا والدول الاشتراكية الدعاية الموجهة ضد " السادات " وقطعت معه العلاقات فوجد نفسه فى عداء داخلى وخارجى مع القوى الاشتراكية فكان طبيعيا أن يندد بالغزو والاستعمار الروسى للشعوب الضعيفة ، وبالطبع لم يرسل " السادات " رصاصة واحدة للمجاهدين قبل أن يأخذ الضوء الأخضر من " أمريكا " بل ربما هى التى أمرته بتلك المساعدة ، لأن الأمريكان أدانوا الغزو الروسى بشدة خوفا على مصالحهم فى المنطقة وتمنوا أن يتلقى الروس درسا فى " أفغانستان " كما تلقوه هم فى " فيتنام " ولكن عبثا كنا نحاول غفهامهم هذه الأمور ، وكانت أقوى حجة أن " السادات " لا يحكم بالإسلام ويعطل الشريعة ويصادق اليهود والأمريكان ، ولم نكن نجرؤ على إخبارهم أن الجماعات الإسلامية هى التى قتلت " السادات " ، والحقيقة أن مصر اعتبرت الأمر فيما بعد مجرد تجارة رائجة مربحة فكانت تبيع السلاح والذخائر للمجاهدين بعد أن كانت مجانا ، بل أصبحت تبيع السلاح والذخائر للحكومة الشيوعية أيضا ولطالما غنمنا سلاحا وذخائر مصرية من مواقع الشيوعيين وكانت تلك الذخائر عليها اسم مصنع شبرا الخيمة والهيئة العربية للتصنيع ، ولم يكن شعورا مريحا أن أُقتل فى هذا المكان البعيد برصاص صنع بالقرب من منزلى .


د . أيمن فرج صبرى : ذكريات عربى أفغانى

21 فبراير, 2009

عينان زرقاوان


عينان زرقاوان .. ينعس فيهما لون الغدير
أرنو .. فينساب الخيال وينصت القلب الكسير
وأغيب فى نغم يذوب .. وفى غمائم من عبير
بيضاء مكسال التلوى ، تستفيق على خرير
ناء .. يموت وقد تثائب كوكب الليل الأخير
يمضى على مهل ، وأسمع همستين .. وأستدير
فأذوب فى عينين ينعس فيهما لون الغدير

**
حسناء .. يا ظل الربيع ، مللت أشباح الشتاء
سودا تطل من النوافذ كلما عبس المساء
حسناء .. ما جدوى شبابى إن تقضّى بالشتاء
عيناك .. للكوكبين الحالمين بلا انتهاء
لولاهما ما كنت أعلم أن أضواء الرجاء
زرقاء ساجية .. وأن النور من صنع النساء
هى نظرة من مقلتيك ، وبسمة تعد اللقاء
ويضىء يومى عن غدى ، وتفر أشباح الشتاء
عيناك .. أم غاب ينام على وسائد من ظلال ؟
ساج تلثم بالسكون فلا حفيف ولا انثيال
إلا صدى واه يسير على قياثر فى الخيال
إنى أحس الذكريات يلفها ظل ابتهال ..
فى مقلتيك مدى تذوب عليه أحلام طوال
وغفا الزمان .. فلا صباح ، ولا مساء ، ولا زوال !
إنى أضيع مع الضباب .. سوى بقايا من سؤال !
عيناك .. أم غاب ينام على وسائد من ظلال !


شعر : بدر شاكر السياب

08 فبراير, 2009

تعدد الزوجات فى تقرير للأمم المتحدة


لقد أباح مشرع الإسلام " تعدد الزوجات " ، وأثيرت ضجة كبرى ضد هذا التشريع ، وأطلق عليه - هو الآخر - أنه " تذكار العصر الجاهلى " . ولكن جاءت التجارب العملية لتثبت أنه كان تشريعا مناسبا للطبيعة الإنسانية ، لأن سد باب تعدد الزوجات إنما هو فتح لعشرات الأبواب الفاجرة ، غير الشرعية .

وسوف أشير هنا إلى النشرة لإحصائية التى نشرتها هيئة الأمم المتحدة فى عام 1959 . لقد أثبتت هذه النشرة بالأرقام والإحصائيات : أن العالم يواجه الآن مشكلة " الحرام أكثر من الحلال " more out than in فى شأن المواليد ! وجاء فى هذه الإحصائية أن نسبة الأطفال غير الشرعيين قد ارتفعت إلى ستين فى المائة . وأما فى بعض البلاد ، وعلى سبيل المثال " بناما " فقد جاوزت هذه النسبة الخمسة وسبعين فى المائة ، أى أن ثلاثة عن طريق الحرام من كل أربعة مواليد ! وأرفع نسبة من هؤلاء الأطفال غير الشرعيين موجودة فى أمريكا اللاتينية .

وتثبت هذه النشرة أيضا أن نسبة الأطفال غير الشرعيين تصل إلى نسبة " العدم " فى البلدان الإسلامية ، وتقول النشرة : إن نسبة هؤلاء الأطفال أقل من واحد فى المائة فى جمهورية مصر العربية ، مع أنها أكثر البلاد الإسلامية تأثرا بالحضارة الغربية .

فما الأسباب التى تحمى الدول الإسلامية من هذه البلية ؟

يقول محرر هذه النشرة الإخبارية : إن البلدان الإسلامية محفوظة من هذا الوباء لأنها تتبع نظام " تعدد الزوجات " .

وحيد الدين خان : الإسلام يتحدى

28 ديسمبر, 2008

مرور ثلاثة عقود من القرن الخامس عشر


بين يدى القرن المقبل أطلب من المسلمين أن يطرحوا الأسمال العقلية والاجتماعية التى أزرت بهم وحطت مكانتهم ، وأن ينصفوا الإسلام من أنفسهم حتى يستطيع هذا الدين الانطلاق فى الأرض ، وإسعاد البشرية ، وتحقيق الرحمة العامة للعالمين ..

أما استقبال القرن الخامس عشر بحكم فردى يخنق الحرية ويستبيح الحرمات .

أو استقباله بقوانين تملك المال ولا تملك العدالة والرحمة .

أو استقباله ببطالة عقلية تهمل العمل والفكر وتحقر نتائجها ، وتؤخر العباقرة وتقدم التافهين ..

أو استقباله بعوائل همها فى الحياة المتعة لا التربية ، والفوضى الاجتماعية لا الأخلاق الدقيقة والتقاليد الزكية .

أو استقباله بقصور علمى فى المادة وما وراء المادة .. أى فى شئون الدين والدنيا جميعا .

أو استقباله بذاكرة مفقودة .. لا تستفيد من التجربة ولا تنتفع من التاريخ .

أو استقباله بدعاة يتساءلون عن الصلاة مع دم البعوض فى قمصانهم .. ولا يتساءلون عن أمة أرخص دمها ، حتى أصبح سفكه لا يثير جزعا ولا فزعا ..

إن استقبالنا للقرن الخامس عشر على هذا النحو هو خزى الأبد .. فإما عشنا مسلمين حقا ..

وإما ممات لا قيامة بعده ** ممات لعمرى لم يقس بممات !


محمد الغزالى : خاتمة كتابه " هموم داعية "

24 ديسمبر, 2008

أحلى قدر ..


أحبك
أعرف أن هواك طريق انتحار
وبينى وبينك ألف جدار ..
وجيش تتار ..
يحب الظلام ..
ويبغى اغتيال النهار ..
أحبك .. أعرف أن ليس لى فى هواك اختيار ..

أحبك ..
لا تسألينى لماذا
فهل يسألون الطيور لماذا تهاجر .. ؟
وهل يسألون المراكب كيف تسافر .. ؟
وهل ذات يوم سألت الزهور
لماذا العطور .. ؟
وهل ذات يوم سألت الشروق لماذا الغروب .. ؟
وهل يسألون المحاجر ..
لماذا شعاعك ساحر .. ؟
أحبك .. لا تسألينى لماذا أخاطر ..

أحبك ..
والحب مثل احتمال ..
ومثل انتحار الإجابة بعد السؤال ..
وحبى مثل الحقيقة تلبس شال خيال ..
ومثل احتضان الصليب الهلال ..
ومثل عناق تارب الجنوب تراب الشمال ..
أحبك .. والحب يسكن بيت المحال ..

أحبك ..
ليس لأنى وحيد ..
وليس لأن فؤادى قبلك كوم جليد ..
وليس لأنك ألهمتنى كل هذا القصيد ..
أحبك .. ليس لأنك عمر جديد ..

أحبك ..
مثل الغيوم تحب تموت ليهطل قطر المطر ..
ومثل المساء يحب يذوب بضوء القمر ..
ومثل النعاس يحب اقتحام عيون تطيل السهر ..
أحبك .. والحب أحلى قدر ..


عبد الرحمن يوسف : ديوان نزف الحروف

23 ديسمبر, 2008

زيجة واحدة لا تكفى


من خلال تأملاتى فى تجاربى وتجارب الآخرين أصبح عندى رؤية ومفهوم للزواج . فكنت دائما أخبر نفسى وغيرى أن السعادة لا تهبط هكذا من السماء ، وإنما هى مثل العمل الفنى ، لابد أن يكد المرء ويتعب فى صياغته وصنعه . والزواج ، مثل العمل الفنى أيضا ، ومثل أى شىء إنسانى مركب ، يحتوى على إمكانات سلبية وإيجابية ، ولا يمكن فصل الواحد عن الآخر . وكثيرا ما كنت أخبر طالباتى بأن الحب الحقيقى هو أن يقبل الواحدُ الآخرَ ويعرف أن محاسنه مرتبطه تمام الارتباط بمثالبه .

كما طورت مفهوم " إعادة الزواج من نفس الزوجة " ، إذ تتغير الظروف والأوضاع وتتغير الشخصية والتوقعات فيعاد النظر فى أسس العلاقة ويعاد تشكيلها بما يتفق مع الرؤية الجديدة . وأزعم أننى تزوجت من زوجتى ثلاث مرات ، المرة الأولى تقليدية ، والثانية بعد حصولى على الدكتوراه ، والثالثة بعد حصولها هى على الدكتوراه . ولعل مفهوم " إعادة الزواج من نفس الزوجة " قد يحل بعض المشكلات التى يقابلها الناس فى زيجاتهم ، إذ يتصور كل طرف فى العلاقة الزوجية أن الآخر نمط محدد لا يتغير ، ومن ثم فالتوقعات ، والأحزان والأفراح ، لا تتغير . وهو تصور غير إنسانى ، فثمة قدر من الثبات ، ولكن ثمة قدرا من التغيير أيضا ، ولا بد أن يأخذ الإنسان كل شىء فى الحسبان .

عبد الوهاب المسيرى : رحلتى الفكرية .. فى البذور والجذور والثمر

22 ديسمبر, 2008

تحريف النبى .. كتقليد غربى


إن أكبر ضحايا التحريفى فى التاريخ هو رسول الإسلام . وضعه مايكل هارت 1978 على رأس قائمة المائة شخصية الأكثر تأثيرا فى تاريخ البشرية ، ولأنه الشخصية الوحيدة التى حققت نجاحا هائلا دينيا ودنويا .

ولكن كما قال مونتجومرى وات لا توجد شخصية عظيمة أساء الغرب تقديرها مثل محمد . فمن يوحنا الدمشقى فى القرن الثامن عشر ، ومرورا بدانتى الجيرى - الذى تصور محمدا فى المستوى التاسع من الجحيم - وانتهاء بسلمان رشدى ، أصبح تشويه محمد تقليدا غربيا .

وكما قالت آنا ماريل شمل : ريثير محمد - أكثر من أى شخص فى التاريخ - الذعر ، والكراهية ، والازدراء فى العالم المسيحى .

وطبقا لها ، من أسباب ذلك أن العالم المسيحى لا يتخيل ديانة أخرى بعد المسيحية ، ولا يفهم فعالية تلك الديانة وسر نجاحها وتحول كثير من مناطق البحر المتوسط إليها من المسيحية .

كلنا نعلم تشويه صورة محمد ووصفه بالاحتيال والنصب تارة ، والنفاق تارة أخرى ، مجنون سلطة ، مجنون جنس ، مصاب بالصرع .. باختصار نبى زائف وعدو للمسيح ويستحق لقب ( Mahound ( Monster الذى أعاد سلمان رشدى إطلاقه عليه .

ولكننا نعرف من دراسات قام بها غير مسلمين - مثل نورمان دانيل وإيكارت روتر - أن تلك البروباجاندا المسيحية المستمرة ضد محمد لا تصمد أمام الحقيقة ، وقد أثبتت الوثائق منذ القرن الثالث عشر وحتى منتصف القرن الرابع عشر تلك الحقيقة المزرية ، فحتى أساس الإسلام ، الشهادة ، تم تحريفها إلى أشهد أن لا إله إلا محمد !

مراد هوفمان : الإسلام كبديل

20 ديسمبر, 2008

الربيع الأزرق


ما أجمل الأرض على حاشية الأزرقين البحرَ والسماء ؛ يكاد الجالس هنا يظن نفسه مرسوما فى صورة إلهية

***

فى جمال النفس يكون كل شىء جميلا ، إذ تلقى النفس عليه من ألوانها ، فتنقلب الدار الصغيرة قصرا لأنها فى سعة النفس لا فى مساحتها هى ، وتعرف لنور النهار عذوبة كعذوبة الماء على الظمأ ، ويظهر الليل كأنه معرض جواهر أقيم للحور العين فى السماوات ، ويبدو الفجر بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنة سابحة فى الهواء

فى جمال النفس ترى الجمال ضرورة من ضرورات الخليقة ؛ وى ! كأن الله أمر العالم ألا يعبس لقلب مبتسم

***

وا أسفاه ! هذه هى الحقيقة : إن دقة الفهم للحياة تفسدها على صاحبها كدقة الفهم للحب ، وإن العقل الصغير فى فهمه للحب والحياة ، هو العقل الكامل فى التذاذه بهما . وا أسفاه ! إنها الحقيقة !

***

من لم يرزق الفكر العاشقَ لم ير أشياء الطبيعة إلا فى أسمائها وشياتها ، دون حقائقها ومعانيها ، كالرجل إذا لم يعشق رأى النساء كلهن سواء ، فإذا عشق رأى فيهن غير من عرف ، وأصبحن عنده أدلة على صفات الجمال التى فى قلبه


الرافعى : من وحى القلم ( وهى مقطوعات من مقالته التى كتبها فى المصيف : فى الربيع الأزرق خواطر مرسلة )

التاريخ والإنسان


والانشغال بالتاريخ يعنى ألا ينظر الإنسان إلى واقعه بشكل مباشر ، وألا يستجيب له بجهازه العصبى أو بصفحة عقله البيضاء ، وألا يرى اللحظة الراهنة بحُسبانها البداية والنهاية ، إنما بحُسبانها نقطة يلتقى فيها الماضى بالمستقبل ، وألا يتصور أنه عالم بسيط يمكن اختزاله فى قانون أو قانونين ، وإنما يراه من خلال عدسات وبؤر وذكريات وتقاليد ورموز .

أى أن الإنسان يواجه العالم من خلال إنسانيته وخريطته الإدراكية المركبة ، لا من خلال ماديته ، وأنه كفرد ليس هو البداية والنهاية ، وإنما هو امتداد للماضى فى الحاضر ، ومن ثم فى المستقبل .

عبد الوهاب المسيرى : رحلتى الفكرية ( الجزء الأول )